أنا البلا إحساس

مؤخرًا فقط، اكتشفت أن في صورة نمطية عنّي نوعًا ما تفيد بأني إنسان عديم الإحساس، أو متبلد، وأعتقد أن أسباب ذلك تختلف، من قناعاتي في آليات العمل، وصولاً إلى تغريداتي..

لطالما تحذلقت، ولم أعر التغريدات وفحواها انتباهًا، كل ما لفت انتباهي هو القراءة ثم التصويب، وهكذا. وحينما أزل، أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعني – السطر الأخير خارج السياق- عودة للسياق، فإني كعاشق لمفاهيم الحيادية والتمهن وما إلى ذلك من مثالية بالية، فإنني أحب أن أرى الناس بمعاملة روبوتية في تعاملاتها العملية، كيف؟

العمل ينبغي أن يكون جامد، ينبغي ان نكون متجردين من مشاعرنا الانسانية العادية إلا ما اقتضت الحاجة، ينبغي كبث ردود الفعل وعدم التأثر -نسبيًا- ونسبيًا هنا تعود لنوع العمل فليس من المنطقي إظهار التعامل الروبوتي إن كنت عاملاً في مجال إنساني مع طفل يصارع الموت جوعًا! لكن مثلاً تخيل أن تكون عاملاً في تنظيم جلسةٍ ما وتحدث أحد مناقشيك بالإيجاب عن مسألة ذات شأن أصيل وتأثير سلبي مباشر على حياتك، هنا ينبغي كبت أحساسيك كافة، أنت هنا عدمي لا تملك أي إحساس، هكذا تنجح -هكذا أرى- وهم الحيادية شيء جميل، ويمنح مريديه شيئًا من الطمانينة النفسية لإحساسهم بسموهم عن ترهات الاحتراب في الأراء..

مازلت معايا؟ عودة لأنا عديم الإحساس؛ أعتقد جازمًا بأنني حقًا أعاني مشاكل في “الحسية” فأنا متبلد الأحاسيس في العديد من المواضيع، كما إن ابدئي التعاطف أو الحزن لغيري حينما يواجهون مصابًا عادةً ما يبدو مصطنعًا. لكن، أعي جيدًا أنني لست متبلدًا الأحاسيس، ولازلت إلى اليوم أستغرب كيف يستغرب الناس حينما يعلمون أنني بكيت على مشهدٍ فِلمي أو تلفزيوني ما – أو ربما حتى وثائقي.

الفلسفة التي خلصت إليها بشأن ذاتي الإحساسية بإختصار هي أن ذاتي شديدة الحساسية والعاطفة حينما تعي المواقف من حولها، حينما تتقمص من حولها، وتحاكي سيروراتهم، إلى أنها مع ذلك شديدة النفور من العواطف أثناء الرسميات، ومتبلدة المشاعر عن بعد، فكما يقال: البعيد عن العين، بعيد عن الروح.

ختامًا، كونوا روبوتًا في العمل، وما أخشاه أن يصبح الروبوت إنسانًا!

Advertisements

رحلة الألف كيلو: برًا وجوًا!

للمرة الأولى منذ سنوات تقرر السفر لي برًا ما بين بنغازي وطرابلس، رحلة الألف كيلومتر ذهابًا من بنغازي نحو العاصمة طرابلس انطلقت في منتصف النهار، دامت احدى عشرة ساعة، في يوم طقسه لطيف!

توطئة..

في البدء لا بد من التوطئة إلى حتمية وضرورة الاطلاع على تدوينة محمد النطاح “رحلة الألف كيلو” والتي يسرد فيها تفاصيل معاناته في السفر من طرابلس لبنغازي جوًا، وجايكم في الموضوع.

الساعة 12: ممنوع التدريس…

مع انطلاق عربتنا من محطتها قرر السائق فجأة أن يركن إلى جنب حتى يستلم ظرفًا ينبغي تسليمه إلى طرابلس، في الأثناء تقدمت عربة أمنية في اتجاه مخالف لاتجاه السير ووبخ مستقليها سائقنا الكهل بأن التدريس ممنوعٌ هنا وواصلوا دربهم في عكس اتجاه سير الطريق!

لم يجد جديد في الأثناء، عدا مواصلة السير في اللا مكان فما من شيءٍ لافت في البدء عدا زحام مداخل ومخارج المدينة ومن ثم السكينة.

الساعة 2: اجتيازات الموت..

وبسبب رهاب القيادة الذي يتملكني، وسعتني الفرحة حينما علما أن قائد عربتنا كهلاً، فقد بدت على ملامح وجهه الوقار والخبرة والركاز، إلا أنه ما جاءت الثانية ظهرًا حتى فقد الرجل رشده وصار يجتاز يمينًا ويسارًا سواءً أكانت طريق الاتجاه المعاكس خاويةً أم فيها عربةً ذا مقربة… واصل على هذا المنوال لحين، وبدأ بقية الركب في التحذير من الاستعجال بالهمز واللمز، فتارةً يشيرون إلى سائقي العربات الأخرين حقراء ولا يعرفون القيادة إذ لم يمنحوا قائدهم الطريق، وتارةً أخرى يباشرون في رواية حادثٍ سير أليم في ذات الطريق بسبب اجتياز أضاع أسرةً بأكملها، لكن قائدنا المغوار ما كان لهم بفهيم.

في الأثناء وبمنطقة العقيلة، وإذ بقائدنا يهرول بنا في الطريق ما كان لي إلا أن ألمح راعٍ وهو يتبول أمامنا في الطريق، وكان هذا المشهد كفيل لدماغي بأن يشغل محرك البحث الذهني ويسترجع كل مشاهد التبول في الأماكن العامة التي شهدتها في حياتي من المسن الذي تبول في المنطقة الخاوية بشارع دبي، إلى ذلك الطفل المروب الذي تبول في شارع الحدائق في أوج زحام مشتريات “عيد الميلود” والطاعن بالسن الذي تبول بمحيط برج طرابلس، وهلم جرا..

الساعة 3: الطريق إلى السماء

مع مواصلتنا السير في طريق اللا مكان، صادف أن وصلنا إلى مرحلة من الطبيعة الجغرافية التي تجعلك تشعر بأنك الآن في رحلةٍ إلى السماء، فإلى الجوار من سرعة العربة، فالمرتفعات والمنخفضات بالطريق مع انعكاس اشعة الشمس تمازجت ألوان الطريق والسماء مع وتمنحك شعورًا بالصعود للعدم السماوي..

الأمر بالأحرى أشبه بألعاب الفيديو حينما تظهر لك الأشياء البعيدة بشكل جزئي وتتضح حينما تقترب منها فيما تكون منقوصة غبية الشكل عند البعد، لم ألعب جي تي أي، لكنني شاهدتها!

الساعة 6: دلاعة وادي جارف..

في وادي جارف أطلنا الأمد لدى نقطة تفتيش، ليس لاشتباه أو خطب مثيرٍ للقلق، غير أن كل ما في الأمر أن دلاعةً خضراء اللون قررت إحداث تمرد وشغب، فأثناء سير احدى العربات المحملة بشحنة من الدلاع، استوقفت انتباه رجال النقطة التفتيشية ربما كانوا يبحثون عن الدلاعة العائمة وسط البحر، أو ربما كانوا مجرد للدلاع مشتاهين، وخر إليهم صاحبها صاغرًا! المثير في الأمر أن كل ذلك التعطيل نجم عن محاولة التقاط دلاعة واحدة من تلة غير أن الأمر كان أصعب مما بدا لرجل النقطة في بادئ الأمر وبعد حين استسلم الرجل وطلب من صاحب العربة أن يركنها على الجانب حتى يستأنف عملية التقاط الدلاع بروية ومن دون ضغوطات خارجية ناجمة من طابور السيارات غير المراعية لحاجتهم الملحة إلى الدلاعة المروية!

من بعد ذلك الحين عم الظلام بعد أن بقينا فترة نطارد قرص الشمس من تلة لتلة إلى أن اختفت كليةً وفي الحادية عشر ليلاً استقبلتنا طرابلس مظلمةً بلا نور!

رحلة الإياب جوًا!

وعلى عكس ما قال النطاح في تدوينة رحلة الألف كيلو بدأت إجراءات رحلة الإياب لبنغازي جوًا في وقتها -تقريبًا- وعلى عكس ما قال النطاح أيضًا فإن كابتن الطائر ما انفك عن الاعتذار والتأسف عن تأخر انطلاق الرحلة لسويعاتٍ قليلة..

غير أن الأمر كل ما في الأمر أن فتاة في الثانية من العمر تنمرت علي وعنفتني حوالي ثلاث مرات، قد أكون عدوها المستقبلي في البعد الموازي!

لا تفوتوا تجربة الطيران على الخطوط الليبية

قصة البطاطا المقلية في بيت هنية..

هنية، سيدة مجدة، تحب أن تطعم أسرتها بسفرة هنيئة.. هي تصرف الكثير على هناء أسرتها، لا تحسب لنفقاتها ولا تبالي، حتى ستجد نفسها يومًا ميتةً من الجوع، فرغم الأزمة الاقتصادية لازالت هنية تبهجنا بصور ما لذ وطاب من كيكات وبيشاميل وبيتزات وكل الرفاهيات، والناس على الانستاغرام جوعة يطالبون بالمزيد المزيد، ومن اللايكات يكثرون وكأنهم للشاشة لاعقون لتذوق ما في الصور بالصحون!

هنية ذكية، وللحصول على ألذ وأكثر أصابع مقرمشة من البطاطس، فهي تقوم بسلقها قليلاً ومن ثم قليها، وأحيانًا فهي تقوم بقليها مرتين، -هذه الطريقة المستوحاة من حالة احدى شعوب هذه الأرض- تؤكد هنية بأنها جد فعالة!

فذاك الشعب سحن نفسه سلقًا أربعين عامًا وحينما مل من التنكيل والتعذيب قرر أن يغير الأمر، فمتى ما أنتفض على الحال، عاد إلى نفس المنوال بأن نكل نفسه من جديد، صبر لأشهر قلال تطاول العام والفينة، وأعاد العملية من الصفر.

تؤكد هنية أن الشعب الصحرواي الذي ألهامها هذا غير قابل للعيش في وضع مستقر لذلك هو يصر على أن ينكل نفسه بنفسه، ولدى ملاحظاتها إلى مدى ضرورة التنكيل للحصول على الصقل المطلوب، بدأت هنية بتنكيل البطاطس: قلية، قليتان وربما ثلاث، لا ضير فالبطاطس لن تصرخ.

لِم تصرخ؟ فالعسكرة أو الدينانة هما الاثنان يمكنهما أن يصقلا البطاطس للشكل المطلوب: لذة الحاكم، أقصد الآكل.

بريد ليبيا يتعلم في راسي

من بداية السنة بديت نتعامل مع شركة بريد ليبيا، لجوار أن موقع الشركة كان مغريًا بالخدمات المعروضة، ولجوار الرغبة في إمتلاك صندوق بريدي من الصغر، فتدوينة وتملك أمجد بدر لصندوقه البريدي الخاص وسرده لخطوات العملية زاد من حتمية وضرورة الخطى نحو بريد ليبيا!

الجمال والآناقة والحياة الوردية اللي كان الموقع يوريلي فيها عن الشركة [قبل ما يتدخلوا توا وينشروا كم صورة بتصاميم عبيطة مش من إنتاج العنكبوت الليبي] كانت عكس الواقع تمامًا، أول ما خشيت للشركة قابلاني موظفات متململات [متململ للي عربيته ضعيفة يعني يحسوا بالملل] من عملهن وربما حتى يجهلنه، كانت إستمارة إشتراكي في خدمة صندوق البريد قديمة مطبوعة من القرن العشرين، باسم “الشركة العامة للبريد والإتصالات السلكية واللاسلكية” وفي خانة التاريخ كانت السنة مطبوعة سلفًا بـ”19″ ومن ثم خانتين لباقي رقمي السنة! مش حنغوص في تفاصيل واجدة، لكن فتحة صندوق بريد مرهقة هنا، بعد ما اتكمل اجراءاتك الورقية أنت اللي حتجري على مفتاح صندوقك البريدي (بـ20 جنيه) تمشي لمحل معين في حد الدنيا [من مقر الشركة] بدال ما تكون جزء من عملية الحصول على صندوق بريد وتتحملها الشركة [فعليًا بنغازي بس فيها اللقطة الغبية والمكلفة هذي]، كانت تجربة سيئة، واستمرت حتى في إرسال الرسائل، لأن الموظفين بشكل جلي ما عندهمش خبرة أو معرفة كافية بخدمات الشركة رغم أنه واضح أنهم سنين عمرهم مشت في الشركة هذ!

سِلفي الحوالة الأولى
سِلفي أول عملية حوالة مالية في دقيقة!

اليوم، [23/08/16] جاء اليوم اللي صادف أني احتجت فيه لليبيا بوست مرة أخرى، واليوم هضا برضوا هو أول يوم في تاريخ بريد ليبيا – بنغازي يشتغلوا فيه بخدمة الحوالة المالية الداخلية في دقيقة، الحوالة المالية اللي كانت مفروض توصل من طرابلس في دقيقة، خلتني نرجى ساعة ونص بالضبط، فأول ما خشيت للمقر طلبوا مني نرجى المسؤول عن الخدمة اللي كان في وحدة من الأدوار اللي فوق لسبب غير معلوم، وبطبيعة الحال لما نعرف أني أول زبون حنعذر الراجل من حقه شن بيدير في الكساد هضا، عمومًا بعد ما وصل تبين أن في خطأ حتى من جماعة بريد ليبيا في طرابلس لأنهم مش عاطيين الباسورد للراسل بيش يعطيه للمرسل، لكن هما بعدين حصلوه بطريقة أو بأخرى بعد اتصالهم بزملائهم في طرابلس، مش هنا الموضوع إنما قصة ام بسيسي اللي صارت علشان يطبعوا القسيمة/الإيصال الخاص بالإستلام العملية اليسيرة اللي ما تحتاجش إلا لحظات من كتابة البيانات ونقر الكيبورد والتجارب الخاطئة في الطبع وأشياء أُخر، موظفي الخدمة أجريت لهم تدريبات على الخدمة ومنظومتها وكافة آلياتها، إلا أن نظام التسويق والترويج البالي للشركة أنسى هؤلاء الموظفين عملهم الأساسي فلأكثر من عام لم يستقبلوا أي عميل، إلى أن جاء صاحب السعد “وسام”!

بريد ليبيا، يمكن أن تكون من أفضل شركات “الليبية القابضة للإتصالات” إن تخلصت من جزء كبير من كادرها الوظيفي الطاعن في السن ربما وتم ضخها بدماء شابّة جادة تسعى للعمل لا التعيين لغرض مرتب حكومي إضافي إلى جوار عمله في دكانه أو على سيارته، لو، تظل لو، لكن الخدمات المعلنة ممتازة وموظفيهم -لا!

ذكروني ما ننسش نجدد إشتراك صندوق بريدي السنوي..

من ليبيا الإيطالية حتى الجماهيرية

في بلادٍ اعتادت على أن تكون فقيرة في التوثيق، يعد “ذكريات حياتي” قيمًا كمنبع لمعرفة أجواء حقبة من التاريخ التي عصفت بهذه الصحراء، فالمملكة المثالية التي صدع الكهول رؤوسنا بها بعيد الحرب الأهلية الأولى وأتبعهم اليافعين في غفلةٍ من أمرهم لم تكن إلا مملكة هزيلة من القش ببترولها ومن دونه.

يبدأ الكاتب بسرد سيرته في “ذكريات حياتي” منذ هجرة أجداده من مصراتة إلى بنغازي ومقر سكناهم واستقرارهم ثم يتطرق إلى طفولته، ويتخذ تهجمًا في شيء من المبالغة اتجاه الإستعمار الإيطالي خاصةً في مجال التعليم، رغم أن بداية تعلمه تعود بفضل هذا الاستعمار، فالاحتلال العثماني لم يسعى أبدًا إلى إيجاد مدارس لتعليم الليبيين على سبيل الذكر.

بعد عودتنا إلى بنغازي، إلتحقت أنا وأخي الأكبر بمدرسة الفنون والصنائع، والتي كان يذهب إليها معظم أبناء بنغازي الذين كانوا في حاجة ماسة إلى الدراسة والتعلم، وهذه المدرسة أسست بعد معاهدة الصلح التي تمت بين المجاهدين وإيطاليا، وهي تشمل ثلاث سنوات ابتدائية، وثىث سنوات إعدادية.

كما يسرد فترة عمله في المهجر مع مفتي فلسطين أثناء الحرب العالمية، ويتضح من مذكراته مدى استغلالية المفتي والسعي إلى نصرة قضيته حتى بالعدم، و لا أدري ما المغزى من إستغلال أموال النازية لإنشاء راديوهات عربية من المهجر تحرض العرب على مقاومة ومحاربة الحلفاء وهم ليسوا متيقنين حتى أن أثير هذا الراديو يصل إلى الجمهور المستهدف! ضرب من العبث والجنون..

رافق البوري الملك ادريس الأول بشكل مقرب في بدايات حكمه الأميري -على برقة- والملكي -على ليبيا المتحدة-  ومن خلال وصفه له يمكن القول أن الملك ادريس هو مزيج من أسلوب مصطفى عبدالجليل، وعقيلة صالح، أي نموذج للملك السيء ضعيف الشخصية غير القادر عن فصل عواطفه الشخصية عن الحكم.

فعندما سفر الملك إلى مصر ترك الملكة حاملاً، ثم أخبروه في ما بعد أنها وضعت ولدًا وهي مازلت في شهرها السادس من حملها، فأطلق عليه اسم محمد، ووضع المولود تحت إجراءات خاصة. وفي أحد الأيام وصلت برقية في الصباح باسم الملك، ففةحها إبراهيم الشلحي وقرأها، ثم طلب مني أن اقرأها على الملك، فدخلت وكان لا يزال في ثيب النوم، فقلت له هناك برقية من طرابلس، فقال لي اقرأها، فسكَتْ، فنظر الي وسألني هل الأمير توفي؟ فقلت له البركة في راسك يا مولاي، ونظرت إليه فوجدته قد إنهار، ولم يعد بالرجل الأول الذي كان أمامي ، فخرجت مسرعًا وطلبت من إبراهيم الشلحي أن يذهب إليه، وقد بدا التأثر والحزن على الملك لمدة طويلة، وبعد أسبوعين وصلت الملكة للثاهرة وهب الملك لاستقبالها في المطار، وعادا إلى الفندق معًا فرأيت على وجهيهما الحزن والألم، ولا شك أن هذا الحادث المؤلم الذي وضع حدًا لأمل الملك في الحصول على ولي عهد  سيؤثر على سلوك الملك

غير أن حقيقة أخرى ظلت مغيبة، أن استقلال ليبيا الاتحادية لم يكن يحظى برضا نسبة من برقة الذين أرادوا أن يكونوا إمارة مستقلة بزعامة ادريس، أو طرابلس والذين رغبوا أن تكون ليبيا موحدة غير إتحادية ومن غير تاج ادريس، وأنه لم يكن هناك ابتهاج فعلي بهذا الاستقلال!

ونشأت الدولة في جو من الكآبة وعدم الرضا وحاصةً في طرابلس، وتشكلت حكومة ليبيا المستقلة برئاسة محمودة المنتصر وعضوية وزراء من طرابلس وفزان وبرقة.

كتاب يسرد من الحقبة الماضية الكثير، في طبعة جد حسنة، عملٌ يستحق الثناء، يستخلص منه أن ليبيا اليوم حكوميًا هي ذاتها في الخمسينات والستينات، وطالما أنها كذلك في هاتين الفترتين فإن عهدي الجمهورية كما الجماهيرية ليس بأحسن حالًا من هذا المشهد، في سرد البوري يتضح جليًا التخبط الحكومي الذي عانت منه ليبيا الملكية في كل من فترة الاتحادية والوحدة، التغيير المتكرر للحكومات واستمرار مراوحته توجهاتها الدولة ما بين رغبات السياسة المصرية والأميركية، لكن كل هذه الوقائع -المخزية- هي اليوم أشياء جميلة يتغنى بها في الساحات، يردد الصغار كما الكبار بأن فترة المملكة هي خير الفترات تطورت البلاد وازدهرت السياسة ونما الاقتصاد، لكن كل ذلك هو قطعًا مجانب للصواب، كما فترتي الجمهورية والجماهيرية التي يتغنى بها بعضنا الآخر اليوم كرهًا في الفترة الإنتقالية، هذا ما نجيد فعله نقد المشهد الآني وتزيين ماضينا مهما كانت تعاسته.

 

جسرٌ من القراء، للفرار من الحرب

في ظل حرب مستمرة ببنغازي لم تتوقف، العشرات يحيون اليوم العالمي للكتاب وسط الشارع رغم كل الظروف والأزمات لعيش تجربة جديدة.

اتسمت أيام الكتاب العالمي في السنوات الأخيرة ببنغازي قبيل الحرب بإقامة معارض للكتب المستمعلة وأخرى لكتبٍ جديدة في معظم الأحيان إلى أن اندلعت الحرب، بعد عامين أعيد إحياء يوم الكتاب بالمدينة مجددًا وإن كان بصيغة مغايرة هذه المرة كما رأى منظموها ومشاركون بها؛ فعلى إمتداد شارعٍ رئيسي تجمع عدد من الأهالي ليقرؤوا لمدة ساعة تقريبًا، مكونين بذلك “جسرًا بشري” للقراءة دعت إليه مؤسسة تاناروت الثقافية. يقول صهيب الغويل (26 سنة) أحد منظمي الفاعلية، أنهم في كانوا قد بدأوا قبيل حوالي الشهر من يوم الكتاب في مناقشة الأسلوب الأمثل لإحياء هذا اليوم، غير أنهم لم يبدأوا في التحضير له فعليًا إلا قبيل حوالي الأسبوع من الموعد.

نحو الشارع مباشرة
’’كل النشاطات المتعلقة بالثقافة عادةً ما تكون في قاعات مغلقة، ويوم الكتاب لا بد أن يكون ملامسًا للناس مباشرة دون حائل ليعطي أثرًا أكبر‘‘ يقول محمد الترهوني مسؤول فاعلية “جسر القراء”، مشددًا على أهمية توسع قاعدة المستهدفين بنشاطات احياء أيام اليونيسكو بصفة عامة لما لها من طابع إنساني مهم وليتلافى الناس الخيبات السياسية الحالية حسب رأيه.
ولم يكن اختيار شارع دبي بمحض المصادفة حسب عضوة تاناروت عائشة خليفة، حيث قالت أن الاختيار قد جاء بعد دراسة مسبقة فهو إلى جوار أنه شارع رئيسي مهم بالمدينة وشديد الإكتظاظ، فإن به بيئة ميسرة لولوج الأشخاص ذوي الإعاقة، الأمر الذي يفترض به أن يوسع قاعدة المشاركين والتي ضمت حضور ناشطي المجتمع الدني وذوي إعاقة وكذلك رجال أعمال وأطفال.
نشر الثقافة
تؤمن عائشة بأنه من شأن هذه الفاعلية ومثيلاتها أن تكون مسارًا لبناء البلاد ببناء الإنسان وتثقيفه لنفسه حيث إن الفاعلية تسلط الضوء أمام الجميع في الشارع على الكتاب وأهميته لإنضاج الفكر. وتعتبر مبروكة جبريل (50 سنة) أن الفاعلية يمكنها أن تشجع على القراءة والتزود بالعلم وتخلق الحافز لذلك، كون “الشعب بصفة عامة ميال إلى أن يستمع أو يشاهد على أن لا أن يقرأ” بحسب قولها، القول الذي لا تبتعد عنه نجاة (59) كثيرًا فهي تصف الوضع الحالي بالمأساة مُرجعة ذلك إلى “الإبتعاد عن القراءة والتثقف بأميال عدة”.
تنتشر مجهودات بسيطة حثيثة في عدة مناطق من ليبيا للتحفيز على القراءة والمطالعة لكن الفاعلية هذه اتسمت بأنها ذات “لفتة عصرية مستحدثة” بحسب رأي رشيد عبد الله (24 سنة) والذي يرى أنها تتطلب شجاعة كبيرة لتنفيذها لعدم تقبل الناس لها حاليًا كونها ثراء فكري محض في ظل الظروف الراهنة التي تجعل من المواطن منشغلًا في البحث عن قوت يومه الذي يمكنه من الملبس والمأكل دون الإلتفات لأي شيء آخر – وإلى ذلك يضيف رشيد: ’’ما أن يتم حل المشاكل الحياتية سيكون هنالك قابلية وانفتاح أكبرمن معظم الليبيين بشأن القراءة‘‘. ويقول جمال بخاطرة (56 سنة) والذي كان مارًا مصادفة عبر شارع دبي حيث استوقفه التجمع فشارك فيه أن “هذه أكبر دعاية للكتاب يمكن أن تقام، حيث سيثار اهتمام الناس المبتعدة عن الثقافة والكتب بعد أن يشاهدوا أناسًا آخرين يقرؤون الكتب في الشارع”، بل إن بخاطرة يأمل حتى أن تعم “ثقافة استثمار الوقت” في قراءة كتاب ما أثناء الوقوف في طوابير المخابز في ظل الأزمة الحالية بدلاً من هدره في الإنتظار والغضب.
موسيقا الشارع
فاعلية جسر القراء لم تقتصر على القراءة فحسب، فقد شهدت أيضًا حضور فرقة تاناروت الموسيقية وقيامها بعزف مباشر في الشارع، الأمر المستحدث والذي لم يسبق أن أقيم بالمدينة. المغني مصطفى عبد المجيد أشار إلى أن ’’الحياة قد تطورت‘‘ وأنه باث بإمكاننا اليوم عزف الموسيقى في الشارع مباشرة وملاقاة استساغة من المجتمع. بينما استبقت نجاة أي انتقاد قد يوجه إلى إقامة حفل موسيقي بالشارع بقولها أن ’’الموسيقى غداء الروح مثل الكتاب، فلا ينبغي أن يتحاذق علينا أحد بتحريم أيًا من الكتاب أو الموسيقى لأي سبب‘‘.
فاعلية “جسر القراء” لم يكن من المقرر لها أن تشهد حفل موسيقي بسيط من قبل فريق تاناروت فقط بحسب صهيب الغويل، فقد كان المنظمون يسعون إلى أن يكون الحدث أكبر بحيث أن يكون هناك حفل موسيقي أكبر في الشارع يشارك فيه هواة العزف والموسيقى غير أن تخوف المنظمين من “الوضع العام الحالي” جعلهم يقتصرون الحفل على فريقهم الموسيقي حصرًا.
كتب مجانيّة
بحسب منظمي فاعلية “جسر القراء” فإنه وبالمجمل قد تم توزيع قرابة الألف كتاب على الناس معظمها قد اهداه مجلس الثقافة العام للفاعلية، وأن عدد القراء المشاركين قد قارب 300 شخص، حيث وزع المنظمون الكتب على القراء الجالسين على الرصيف إضافةً إلى السيارات المارّة في الشارع. يقول الغويل أن الهدف الأساسي لديهم كان إيصال أكبر كمية من الكتب المجانيّة للعامة وتشجيعهم على القراءة، ويرى أنهم قد نجحوا بذلك، كما أبدى إعجابه بمدى تجاوب الناس مع فكرة جديدة بشكل إيجابي حيث لم يتعرضوا لأي مضايقات أو عراقيل، قائلاً: ’’طالبنا بتواجد بعض العناصر الأمنية لضبط الوضع في حال وجود أي خلل، لكننا لم نحتج إليهم بل إنهم حتى شاركوا مع باقي الناس في الجلوس والقراءة وآخرين في الرسم‘‘، لكن ذلك لا ينفي أن توقعاتهم بشأن زخم الحضور قد خابت أيضًا، فالغويل يقول أنه كان يتوقع حضورًا أكبر للفاعلية إلا أنه أرجح أسباب الضعف إلى حالة الطقس الحار، وتوقيت الحدث، كما أقر بأن سوء الدعاية كان قد لعب دورًا مهمًا في ذلك.

أما نعيمة جبريل فهي تأمل أن تنظم الفاعلية مرةً أخرى العام المقبل في شارع عمر المختار في وسط المدينة بعد أن يتم ترميمه وتنظيفه من الألغام ومخلفات الحرب وعودة الناس إليه، آمال يرنوا أهالي المدينة إليها ويصابرون على معاناة حربهم ويهربون منها ولو مؤقتًا بمطالعة كتاب!

البطة السوداء

طفولتنا مشت في مسلسلات وأفلام الكارتون، ما بين أي آر تي أطفال، وديزني وسبيستون، ولا سويعة الرسوم إللي بعد موجز الساعة 2 الظهر في إم بي سي. الذاكرة المشوشة مازلت تتذكر يوم ما جابت قناة أي آر تي فيلم البطة السودا أو القبيحة[*]، يومها قعدت سخرية العيلة ببكيتي على البطة المكروهة من جماعتها المتخلفة، واللي زاد رسّخ جلجلة البكيّة أني بكيت وأختي ويلي أصغر مني قلبها متحجر ولا أنهزت فيها شعرة 😒! من يومها كان كل ما يتعاود الفيلم، كانت أمي أذكرني ببكيتي على البطة السودا.

البطة السودا كانت آخر وحدة تفقس من الدحية من بين خوتها، ويوم طلعت لو كنت مكانها رآ كرهت عيشي -آكشلي- هو كره عيشته أصلاً، حب ومحد حبه، والعنصرية كانت تجيه من كل حدب! مش عارف إذا كره العنصرية شيء طبيعي بالفطرة يجي ولا ما لازم ينزرع فينا زرع، لكن الأكيد أن العنصرية تجي فينا بالفطرة – لأ، أنا هكي كذب لأن العنصرية وكرهها نقبض ولو في حاجة مؤكد أنها بالفطرة إذن فالثانية حتكون عكس الفطرة، مسلمة لتحقيق معادلة موزونة!

بسواده وشيانته بكل قعد في الآخير طير صقع أبيض مسخط يسمو فيه البجع! مع أن البجع أسمح من البط لكن نطق اسمه يوحيلك بطير شين – مايوحيلكش، يوحيلي ع الأقل- البجعة هذي انظلمت من عيلتها ومجتمعها لكن الحقيقة، أن البجعة ساعدت ع البخت لما سكرت رأسها أنها تنسجم مع محيطها، مكان مالكش فيه مش حتنسجم فيه ولو خبطت راسك في الساس.

العنصريّة حاجة شينة سواء انغرست فينا ولا جت هكي من سبحان سبحانه، والأشين أنك تحاول وتستميت في أنك تقعد في محيط مش مرحب بيك – فريق مش فريقك – والأشين من الاثنين اللي فاتن هي أنك تكبت عاطفتك.

لو تفرجت على الفيلم مرة آخرى، مش مستبعد أن البطة السودا حتبكيني مرة أخرى!

 

 

[*] The Ugly Duckling