رحلة الألف كيلو: برًا وجوًا!

للمرة الأولى منذ سنوات تقرر السفر لي برًا ما بين بنغازي وطرابلس، رحلة الألف كيلومتر ذهابًا من بنغازي نحو العاصمة طرابلس انطلقت في منتصف النهار، دامت احدى عشرة ساعة، في يوم طقسه لطيف!

توطئة..

في البدء لا بد من التوطئة إلى حتمية وضرورة الاطلاع على تدوينة محمد النطاح “رحلة الألف كيلو” والتي يسرد فيها تفاصيل معاناته في السفر من طرابلس لبنغازي جوًا، وجايكم في الموضوع.

الساعة 12: ممنوع التدريس…

مع انطلاق عربتنا من محطتها قرر السائق فجأة أن يركن إلى جنب حتى يستلم ظرفًا ينبغي تسليمه إلى طرابلس، في الأثناء تقدمت عربة أمنية في اتجاه مخالف لاتجاه السير ووبخ مستقليها سائقنا الكهل بأن التدريس ممنوعٌ هنا وواصلوا دربهم في عكس اتجاه سير الطريق!

لم يجد جديد في الأثناء، عدا مواصلة السير في اللا مكان فما من شيءٍ لافت في البدء عدا زحام مداخل ومخارج المدينة ومن ثم السكينة.

الساعة 2: اجتيازات الموت..

وبسبب رهاب القيادة الذي يتملكني، وسعتني الفرحة حينما علما أن قائد عربتنا كهلاً، فقد بدت على ملامح وجهه الوقار والخبرة والركاز، إلا أنه ما جاءت الثانية ظهرًا حتى فقد الرجل رشده وصار يجتاز يمينًا ويسارًا سواءً أكانت طريق الاتجاه المعاكس خاويةً أم فيها عربةً ذا مقربة… واصل على هذا المنوال لحين، وبدأ بقية الركب في التحذير من الاستعجال بالهمز واللمز، فتارةً يشيرون إلى سائقي العربات الأخرين حقراء ولا يعرفون القيادة إذ لم يمنحوا قائدهم الطريق، وتارةً أخرى يباشرون في رواية حادثٍ سير أليم في ذات الطريق بسبب اجتياز أضاع أسرةً بأكملها، لكن قائدنا المغوار ما كان لهم بفهيم.

في الأثناء وبمنطقة العقيلة، وإذ بقائدنا يهرول بنا في الطريق ما كان لي إلا أن ألمح راعٍ وهو يتبول أمامنا في الطريق، وكان هذا المشهد كفيل لدماغي بأن يشغل محرك البحث الذهني ويسترجع كل مشاهد التبول في الأماكن العامة التي شهدتها في حياتي من المسن الذي تبول في المنطقة الخاوية بشارع دبي، إلى ذلك الطفل المروب الذي تبول في شارع الحدائق في أوج زحام مشتريات “عيد الميلود” والطاعن بالسن الذي تبول بمحيط برج طرابلس، وهلم جرا..

الساعة 3: الطريق إلى السماء

مع مواصلتنا السير في طريق اللا مكان، صادف أن وصلنا إلى مرحلة من الطبيعة الجغرافية التي تجعلك تشعر بأنك الآن في رحلةٍ إلى السماء، فإلى الجوار من سرعة العربة، فالمرتفعات والمنخفضات بالطريق مع انعكاس اشعة الشمس تمازجت ألوان الطريق والسماء مع وتمنحك شعورًا بالصعود للعدم السماوي..

الأمر بالأحرى أشبه بألعاب الفيديو حينما تظهر لك الأشياء البعيدة بشكل جزئي وتتضح حينما تقترب منها فيما تكون منقوصة غبية الشكل عند البعد، لم ألعب جي تي أي، لكنني شاهدتها!

الساعة 6: دلاعة وادي جارف..

في وادي جارف أطلنا الأمد لدى نقطة تفتيش، ليس لاشتباه أو خطب مثيرٍ للقلق، غير أن كل ما في الأمر أن دلاعةً خضراء اللون قررت إحداث تمرد وشغب، فأثناء سير احدى العربات المحملة بشحنة من الدلاع، استوقفت انتباه رجال النقطة التفتيشية ربما كانوا يبحثون عن الدلاعة العائمة وسط البحر، أو ربما كانوا مجرد للدلاع مشتاهين، وخر إليهم صاحبها صاغرًا! المثير في الأمر أن كل ذلك التعطيل نجم عن محاولة التقاط دلاعة واحدة من تلة غير أن الأمر كان أصعب مما بدا لرجل النقطة في بادئ الأمر وبعد حين استسلم الرجل وطلب من صاحب العربة أن يركنها على الجانب حتى يستأنف عملية التقاط الدلاع بروية ومن دون ضغوطات خارجية ناجمة من طابور السيارات غير المراعية لحاجتهم الملحة إلى الدلاعة المروية!

من بعد ذلك الحين عم الظلام بعد أن بقينا فترة نطارد قرص الشمس من تلة لتلة إلى أن اختفت كليةً وفي الحادية عشر ليلاً استقبلتنا طرابلس مظلمةً بلا نور!

رحلة الإياب جوًا!

وعلى عكس ما قال النطاح في تدوينة رحلة الألف كيلو بدأت إجراءات رحلة الإياب لبنغازي جوًا في وقتها -تقريبًا- وعلى عكس ما قال النطاح أيضًا فإن كابتن الطائر ما انفك عن الاعتذار والتأسف عن تأخر انطلاق الرحلة لسويعاتٍ قليلة..

غير أن الأمر كل ما في الأمر أن فتاة في الثانية من العمر تنمرت علي وعنفتني حوالي ثلاث مرات، قد أكون عدوها المستقبلي في البعد الموازي!

لا تفوتوا تجربة الطيران على الخطوط الليبية

Advertisements

بريد ليبيا يتعلم في راسي

من بداية السنة بديت نتعامل مع شركة بريد ليبيا، لجوار أن موقع الشركة كان مغريًا بالخدمات المعروضة، ولجوار الرغبة في إمتلاك صندوق بريدي من الصغر، فتدوينة وتملك أمجد بدر لصندوقه البريدي الخاص وسرده لخطوات العملية زاد من حتمية وضرورة الخطى نحو بريد ليبيا!

الجمال والآناقة والحياة الوردية اللي كان الموقع يوريلي فيها عن الشركة [قبل ما يتدخلوا توا وينشروا كم صورة بتصاميم عبيطة مش من إنتاج العنكبوت الليبي] كانت عكس الواقع تمامًا، أول ما خشيت للشركة قابلاني موظفات متململات [متململ للي عربيته ضعيفة يعني يحسوا بالملل] من عملهن وربما حتى يجهلنه، كانت إستمارة إشتراكي في خدمة صندوق البريد قديمة مطبوعة من القرن العشرين، باسم “الشركة العامة للبريد والإتصالات السلكية واللاسلكية” وفي خانة التاريخ كانت السنة مطبوعة سلفًا بـ”19″ ومن ثم خانتين لباقي رقمي السنة! مش حنغوص في تفاصيل واجدة، لكن فتحة صندوق بريد مرهقة هنا، بعد ما اتكمل اجراءاتك الورقية أنت اللي حتجري على مفتاح صندوقك البريدي (بـ20 جنيه) تمشي لمحل معين في حد الدنيا [من مقر الشركة] بدال ما تكون جزء من عملية الحصول على صندوق بريد وتتحملها الشركة [فعليًا بنغازي بس فيها اللقطة الغبية والمكلفة هذي]، كانت تجربة سيئة، واستمرت حتى في إرسال الرسائل، لأن الموظفين بشكل جلي ما عندهمش خبرة أو معرفة كافية بخدمات الشركة رغم أنه واضح أنهم سنين عمرهم مشت في الشركة هذ!

سِلفي الحوالة الأولى
سِلفي أول عملية حوالة مالية في دقيقة!

اليوم، [23/08/16] جاء اليوم اللي صادف أني احتجت فيه لليبيا بوست مرة أخرى، واليوم هضا برضوا هو أول يوم في تاريخ بريد ليبيا – بنغازي يشتغلوا فيه بخدمة الحوالة المالية الداخلية في دقيقة، الحوالة المالية اللي كانت مفروض توصل من طرابلس في دقيقة، خلتني نرجى ساعة ونص بالضبط، فأول ما خشيت للمقر طلبوا مني نرجى المسؤول عن الخدمة اللي كان في وحدة من الأدوار اللي فوق لسبب غير معلوم، وبطبيعة الحال لما نعرف أني أول زبون حنعذر الراجل من حقه شن بيدير في الكساد هضا، عمومًا بعد ما وصل تبين أن في خطأ حتى من جماعة بريد ليبيا في طرابلس لأنهم مش عاطيين الباسورد للراسل بيش يعطيه للمرسل، لكن هما بعدين حصلوه بطريقة أو بأخرى بعد اتصالهم بزملائهم في طرابلس، مش هنا الموضوع إنما قصة ام بسيسي اللي صارت علشان يطبعوا القسيمة/الإيصال الخاص بالإستلام العملية اليسيرة اللي ما تحتاجش إلا لحظات من كتابة البيانات ونقر الكيبورد والتجارب الخاطئة في الطبع وأشياء أُخر، موظفي الخدمة أجريت لهم تدريبات على الخدمة ومنظومتها وكافة آلياتها، إلا أن نظام التسويق والترويج البالي للشركة أنسى هؤلاء الموظفين عملهم الأساسي فلأكثر من عام لم يستقبلوا أي عميل، إلى أن جاء صاحب السعد “وسام”!

بريد ليبيا، يمكن أن تكون من أفضل شركات “الليبية القابضة للإتصالات” إن تخلصت من جزء كبير من كادرها الوظيفي الطاعن في السن ربما وتم ضخها بدماء شابّة جادة تسعى للعمل لا التعيين لغرض مرتب حكومي إضافي إلى جوار عمله في دكانه أو على سيارته، لو، تظل لو، لكن الخدمات المعلنة ممتازة وموظفيهم -لا!

ذكروني ما ننسش نجدد إشتراك صندوق بريدي السنوي..

من ليبيا الإيطالية حتى الجماهيرية

في بلادٍ اعتادت على أن تكون فقيرة في التوثيق، يعد “ذكريات حياتي” قيمًا كمنبع لمعرفة أجواء حقبة من التاريخ التي عصفت بهذه الصحراء، فالمملكة المثالية التي صدع الكهول رؤوسنا بها بعيد الحرب الأهلية الأولى وأتبعهم اليافعين في غفلةٍ من أمرهم لم تكن إلا مملكة هزيلة من القش ببترولها ومن دونه.

يبدأ الكاتب بسرد سيرته في “ذكريات حياتي” منذ هجرة أجداده من مصراتة إلى بنغازي ومقر سكناهم واستقرارهم ثم يتطرق إلى طفولته، ويتخذ تهجمًا في شيء من المبالغة اتجاه الإستعمار الإيطالي خاصةً في مجال التعليم، رغم أن بداية تعلمه تعود بفضل هذا الاستعمار، فالاحتلال العثماني لم يسعى أبدًا إلى إيجاد مدارس لتعليم الليبيين على سبيل الذكر.

بعد عودتنا إلى بنغازي، إلتحقت أنا وأخي الأكبر بمدرسة الفنون والصنائع، والتي كان يذهب إليها معظم أبناء بنغازي الذين كانوا في حاجة ماسة إلى الدراسة والتعلم، وهذه المدرسة أسست بعد معاهدة الصلح التي تمت بين المجاهدين وإيطاليا، وهي تشمل ثلاث سنوات ابتدائية، وثىث سنوات إعدادية.

كما يسرد فترة عمله في المهجر مع مفتي فلسطين أثناء الحرب العالمية، ويتضح من مذكراته مدى استغلالية المفتي والسعي إلى نصرة قضيته حتى بالعدم، و لا أدري ما المغزى من إستغلال أموال النازية لإنشاء راديوهات عربية من المهجر تحرض العرب على مقاومة ومحاربة الحلفاء وهم ليسوا متيقنين حتى أن أثير هذا الراديو يصل إلى الجمهور المستهدف! ضرب من العبث والجنون..

رافق البوري الملك ادريس الأول بشكل مقرب في بدايات حكمه الأميري -على برقة- والملكي -على ليبيا المتحدة-  ومن خلال وصفه له يمكن القول أن الملك ادريس هو مزيج من أسلوب مصطفى عبدالجليل، وعقيلة صالح، أي نموذج للملك السيء ضعيف الشخصية غير القادر عن فصل عواطفه الشخصية عن الحكم.

فعندما سفر الملك إلى مصر ترك الملكة حاملاً، ثم أخبروه في ما بعد أنها وضعت ولدًا وهي مازلت في شهرها السادس من حملها، فأطلق عليه اسم محمد، ووضع المولود تحت إجراءات خاصة. وفي أحد الأيام وصلت برقية في الصباح باسم الملك، ففةحها إبراهيم الشلحي وقرأها، ثم طلب مني أن اقرأها على الملك، فدخلت وكان لا يزال في ثيب النوم، فقلت له هناك برقية من طرابلس، فقال لي اقرأها، فسكَتْ، فنظر الي وسألني هل الأمير توفي؟ فقلت له البركة في راسك يا مولاي، ونظرت إليه فوجدته قد إنهار، ولم يعد بالرجل الأول الذي كان أمامي ، فخرجت مسرعًا وطلبت من إبراهيم الشلحي أن يذهب إليه، وقد بدا التأثر والحزن على الملك لمدة طويلة، وبعد أسبوعين وصلت الملكة للثاهرة وهب الملك لاستقبالها في المطار، وعادا إلى الفندق معًا فرأيت على وجهيهما الحزن والألم، ولا شك أن هذا الحادث المؤلم الذي وضع حدًا لأمل الملك في الحصول على ولي عهد  سيؤثر على سلوك الملك

غير أن حقيقة أخرى ظلت مغيبة، أن استقلال ليبيا الاتحادية لم يكن يحظى برضا نسبة من برقة الذين أرادوا أن يكونوا إمارة مستقلة بزعامة ادريس، أو طرابلس والذين رغبوا أن تكون ليبيا موحدة غير إتحادية ومن غير تاج ادريس، وأنه لم يكن هناك ابتهاج فعلي بهذا الاستقلال!

ونشأت الدولة في جو من الكآبة وعدم الرضا وحاصةً في طرابلس، وتشكلت حكومة ليبيا المستقلة برئاسة محمودة المنتصر وعضوية وزراء من طرابلس وفزان وبرقة.

كتاب يسرد من الحقبة الماضية الكثير، في طبعة جد حسنة، عملٌ يستحق الثناء، يستخلص منه أن ليبيا اليوم حكوميًا هي ذاتها في الخمسينات والستينات، وطالما أنها كذلك في هاتين الفترتين فإن عهدي الجمهورية كما الجماهيرية ليس بأحسن حالًا من هذا المشهد، في سرد البوري يتضح جليًا التخبط الحكومي الذي عانت منه ليبيا الملكية في كل من فترة الاتحادية والوحدة، التغيير المتكرر للحكومات واستمرار مراوحته توجهاتها الدولة ما بين رغبات السياسة المصرية والأميركية، لكن كل هذه الوقائع -المخزية- هي اليوم أشياء جميلة يتغنى بها في الساحات، يردد الصغار كما الكبار بأن فترة المملكة هي خير الفترات تطورت البلاد وازدهرت السياسة ونما الاقتصاد، لكن كل ذلك هو قطعًا مجانب للصواب، كما فترتي الجمهورية والجماهيرية التي يتغنى بها بعضنا الآخر اليوم كرهًا في الفترة الإنتقالية، هذا ما نجيد فعله نقد المشهد الآني وتزيين ماضينا مهما كانت تعاسته.

 

جسرٌ من القراء، للفرار من الحرب

في ظل حرب مستمرة ببنغازي لم تتوقف، العشرات يحيون اليوم العالمي للكتاب وسط الشارع رغم كل الظروف والأزمات لعيش تجربة جديدة.

اتسمت أيام الكتاب العالمي في السنوات الأخيرة ببنغازي قبيل الحرب بإقامة معارض للكتب المستمعلة وأخرى لكتبٍ جديدة في معظم الأحيان إلى أن اندلعت الحرب، بعد عامين أعيد إحياء يوم الكتاب بالمدينة مجددًا وإن كان بصيغة مغايرة هذه المرة كما رأى منظموها ومشاركون بها؛ فعلى إمتداد شارعٍ رئيسي تجمع عدد من الأهالي ليقرؤوا لمدة ساعة تقريبًا، مكونين بذلك “جسرًا بشري” للقراءة دعت إليه مؤسسة تاناروت الثقافية. يقول صهيب الغويل (26 سنة) أحد منظمي الفاعلية، أنهم في كانوا قد بدأوا قبيل حوالي الشهر من يوم الكتاب في مناقشة الأسلوب الأمثل لإحياء هذا اليوم، غير أنهم لم يبدأوا في التحضير له فعليًا إلا قبيل حوالي الأسبوع من الموعد.

نحو الشارع مباشرة
’’كل النشاطات المتعلقة بالثقافة عادةً ما تكون في قاعات مغلقة، ويوم الكتاب لا بد أن يكون ملامسًا للناس مباشرة دون حائل ليعطي أثرًا أكبر‘‘ يقول محمد الترهوني مسؤول فاعلية “جسر القراء”، مشددًا على أهمية توسع قاعدة المستهدفين بنشاطات احياء أيام اليونيسكو بصفة عامة لما لها من طابع إنساني مهم وليتلافى الناس الخيبات السياسية الحالية حسب رأيه.
ولم يكن اختيار شارع دبي بمحض المصادفة حسب عضوة تاناروت عائشة خليفة، حيث قالت أن الاختيار قد جاء بعد دراسة مسبقة فهو إلى جوار أنه شارع رئيسي مهم بالمدينة وشديد الإكتظاظ، فإن به بيئة ميسرة لولوج الأشخاص ذوي الإعاقة، الأمر الذي يفترض به أن يوسع قاعدة المشاركين والتي ضمت حضور ناشطي المجتمع الدني وذوي إعاقة وكذلك رجال أعمال وأطفال.
نشر الثقافة
تؤمن عائشة بأنه من شأن هذه الفاعلية ومثيلاتها أن تكون مسارًا لبناء البلاد ببناء الإنسان وتثقيفه لنفسه حيث إن الفاعلية تسلط الضوء أمام الجميع في الشارع على الكتاب وأهميته لإنضاج الفكر. وتعتبر مبروكة جبريل (50 سنة) أن الفاعلية يمكنها أن تشجع على القراءة والتزود بالعلم وتخلق الحافز لذلك، كون “الشعب بصفة عامة ميال إلى أن يستمع أو يشاهد على أن لا أن يقرأ” بحسب قولها، القول الذي لا تبتعد عنه نجاة (59) كثيرًا فهي تصف الوضع الحالي بالمأساة مُرجعة ذلك إلى “الإبتعاد عن القراءة والتثقف بأميال عدة”.
تنتشر مجهودات بسيطة حثيثة في عدة مناطق من ليبيا للتحفيز على القراءة والمطالعة لكن الفاعلية هذه اتسمت بأنها ذات “لفتة عصرية مستحدثة” بحسب رأي رشيد عبد الله (24 سنة) والذي يرى أنها تتطلب شجاعة كبيرة لتنفيذها لعدم تقبل الناس لها حاليًا كونها ثراء فكري محض في ظل الظروف الراهنة التي تجعل من المواطن منشغلًا في البحث عن قوت يومه الذي يمكنه من الملبس والمأكل دون الإلتفات لأي شيء آخر – وإلى ذلك يضيف رشيد: ’’ما أن يتم حل المشاكل الحياتية سيكون هنالك قابلية وانفتاح أكبرمن معظم الليبيين بشأن القراءة‘‘. ويقول جمال بخاطرة (56 سنة) والذي كان مارًا مصادفة عبر شارع دبي حيث استوقفه التجمع فشارك فيه أن “هذه أكبر دعاية للكتاب يمكن أن تقام، حيث سيثار اهتمام الناس المبتعدة عن الثقافة والكتب بعد أن يشاهدوا أناسًا آخرين يقرؤون الكتب في الشارع”، بل إن بخاطرة يأمل حتى أن تعم “ثقافة استثمار الوقت” في قراءة كتاب ما أثناء الوقوف في طوابير المخابز في ظل الأزمة الحالية بدلاً من هدره في الإنتظار والغضب.
موسيقا الشارع
فاعلية جسر القراء لم تقتصر على القراءة فحسب، فقد شهدت أيضًا حضور فرقة تاناروت الموسيقية وقيامها بعزف مباشر في الشارع، الأمر المستحدث والذي لم يسبق أن أقيم بالمدينة. المغني مصطفى عبد المجيد أشار إلى أن ’’الحياة قد تطورت‘‘ وأنه باث بإمكاننا اليوم عزف الموسيقى في الشارع مباشرة وملاقاة استساغة من المجتمع. بينما استبقت نجاة أي انتقاد قد يوجه إلى إقامة حفل موسيقي بالشارع بقولها أن ’’الموسيقى غداء الروح مثل الكتاب، فلا ينبغي أن يتحاذق علينا أحد بتحريم أيًا من الكتاب أو الموسيقى لأي سبب‘‘.
فاعلية “جسر القراء” لم يكن من المقرر لها أن تشهد حفل موسيقي بسيط من قبل فريق تاناروت فقط بحسب صهيب الغويل، فقد كان المنظمون يسعون إلى أن يكون الحدث أكبر بحيث أن يكون هناك حفل موسيقي أكبر في الشارع يشارك فيه هواة العزف والموسيقى غير أن تخوف المنظمين من “الوضع العام الحالي” جعلهم يقتصرون الحفل على فريقهم الموسيقي حصرًا.
كتب مجانيّة
بحسب منظمي فاعلية “جسر القراء” فإنه وبالمجمل قد تم توزيع قرابة الألف كتاب على الناس معظمها قد اهداه مجلس الثقافة العام للفاعلية، وأن عدد القراء المشاركين قد قارب 300 شخص، حيث وزع المنظمون الكتب على القراء الجالسين على الرصيف إضافةً إلى السيارات المارّة في الشارع. يقول الغويل أن الهدف الأساسي لديهم كان إيصال أكبر كمية من الكتب المجانيّة للعامة وتشجيعهم على القراءة، ويرى أنهم قد نجحوا بذلك، كما أبدى إعجابه بمدى تجاوب الناس مع فكرة جديدة بشكل إيجابي حيث لم يتعرضوا لأي مضايقات أو عراقيل، قائلاً: ’’طالبنا بتواجد بعض العناصر الأمنية لضبط الوضع في حال وجود أي خلل، لكننا لم نحتج إليهم بل إنهم حتى شاركوا مع باقي الناس في الجلوس والقراءة وآخرين في الرسم‘‘، لكن ذلك لا ينفي أن توقعاتهم بشأن زخم الحضور قد خابت أيضًا، فالغويل يقول أنه كان يتوقع حضورًا أكبر للفاعلية إلا أنه أرجح أسباب الضعف إلى حالة الطقس الحار، وتوقيت الحدث، كما أقر بأن سوء الدعاية كان قد لعب دورًا مهمًا في ذلك.

أما نعيمة جبريل فهي تأمل أن تنظم الفاعلية مرةً أخرى العام المقبل في شارع عمر المختار في وسط المدينة بعد أن يتم ترميمه وتنظيفه من الألغام ومخلفات الحرب وعودة الناس إليه، آمال يرنوا أهالي المدينة إليها ويصابرون على معاناة حربهم ويهربون منها ولو مؤقتًا بمطالعة كتاب!

سنة أولى تعليم ليبي

بداياتي في المدارس ديما كارثية، زي ما كنت طالب مثالي في كل مدرسة قريت فيها، أنا كنت نموذج مثالي لحالة رهاب المدرسة في الأيام الأولى.

لأربع سنوات قراية مع باكستّان ومصريين ولبنانية وسوريين، 4 سنوات من مجتمع بعادات مختلفة واسلوب تواصل مختلف، انتقلت أنا وأختي فجأة لعالم مختلف تمامًا مش زي اللي تعودنا عليه، قعد لازم ما نحضروا طابور، وقعد لازم ما نقولوا نفس اللي يقولوا فيه مئات الطلاب اللي زينا ولو أننا مش فاهمين همّا فيش بقولو! أيام المواظبة على القراية في المدرسة كل يوم من 8 الصبح لعند 2 العشية تغير، وقعدت القراية بس من 12 ونص الظهر لعند 4 العصر، المدرسة المش نظيفة نسبيًا والصغيرة قعدت كبيرة وفصولها واجدة..

كنّا طلبة ليبيين الجنسية في مدرسة ليبية في العاصمة الليبية، لكن كنا أجانب؛ في الطابور كانو يعيطو بعرب ثوار، وبنحن الأشبال والسواعد وحاجات أخرى ما عمرنش سمعنا بيها، عيطنا معهم كيف ما فهمنا من عياطهم، عيطنا وقلنا نحن الأشباح، نحن الصواعق، ببراءة مطلقة!

أول ساعة في التغيير الكوني اللي صار وحولنا من نظام تعليم باكستاني “دسم” لليبي “لايت” كان صادم؛ في أخر درج في الفصل قمعزت أنا و@Ibtesam_Ly، بكوشين في آخر الصف، مش لابسين الزي، اللي في الفصل كلهم يشبهو لكلهم نفس اللبسة، أو “الزي” كيف ما تعودنا بعدين، الحصة الأولى، المادة مجهولة، لكن الأبلة شكلها مش حتجي، الأبلة غايبة.

من اليوم الأول في المدرسة الليبية، تعلمت طقس من أهم طقوس وشعائر المدرسة، “أوقفي عليهم” هذي الجملة اللي قلتها أبلة خشت 3 دقايق للفصل هدرزت وضحكت شوية مع بنت بيضاء شعرها أشقر النمش مسيطر على وجهها، سألتها في البداية “كيف حال ماما؟” وكلام أخر ما فهمتش علشان تقوللها في النهاية أوقفي عليهم..

صبت عيشة قدام الصبورة وفي يدها تباشير أبيض من لون وجهها، بدت تكتب في اسماء وحدين ع الصبورة، ناس مانعرفهمش توا لكن حنعرفهم لعند صف سادس.. من أول ما صبت عيشة ع الصبورة تغير الوضع في الفصل في مجموعات بطلت دوة وجمدت في مكانها ومجموعات لا، الهرجة ما وقفتش لمّا صبت، لكن استمرت بحذر!

أصحاب عيشة البنات اللي قدام من حقهن يهدرزن غيرهن لأ، هذي واضحة، فمي مازال مسكر ومافيش حاجة فيّا تتحرك غير عيوني اللي ترمش وريتي اللي تتنفس من خشمي، بعد 10 دقايق من وقوف عيشة علينا، جت لآخر الصف، صبت قدامي وسألت “شن اسمك”، ببلادة أجبت وسام، ردت للصبورة وكتبت ويسام، في الوقت هضكي اتضايقت واجد مش عارف لأنها كتبت ويسام أو لأنها تبلت عليّا، مش واضحة الذكريات اللي عندني، وين ما كانت عيشة البيضاء توا، يا ريت تكون تعرف تكتب وسام كويس!

لمن أثير الإف إم في بنغازي اليوم؟

photo by Alosh Bennett, from flickr
photo by Alosh Bennett, from flickr

قبل سنوات عديدة لم يكن بأثير الـFM في مدينة بنغازي سوى إذاعتان حكوميتان “إذاعة الجماهيرية العظمى” الناطقة بلسان الحكومة آنذاك و”إذاعة بنغازي المحلية” وقبيل فبراير/شباط 2011 بسنوات قليلة ظهرت للوجود محطتي “الليبية إف إم” و”ليبيانا إف إم” التان خصصت جل وقتهما للموسيقا والترفيه، إضافة لراديو الإيمان لتلاوة القرآن والأحاديث.

بعد سيل فبراير

مواكبةً للسيل الإعلامي في كل شيء المترافق لأحداث فبراير شباط 2011 في بنغازي تكونت العشرات من محطات الراديو الليبية ذات الطابع التعبوي الثوري بعد إيقاف راديو “إذاعة الجماهيرية” وأخواتها، وبعثت راديوهات دولية كالجزيرة ومونت كارلو وبي بي سي والآن وغيرها، لم يدم الأمر طويلاً فبعد أشهر اختفت جل الراديوهات المحلية وبعض الدوليات.

فجر وكرامة -ليبيا.

في منتصف عام 2014 الماضي إندلعت الحرب الأهلية الثانية باسماء “كرامة ليبيا” و”فجر ليبيا” كعمليات عسكرية، وكان لكلاهما أثرًا جلي على أثير الراديو، فسارعت عملية فجر ليبيا بعد سيطرتها على طرابلس بإخراس محطات الراديو المعارضة لها، وقامت نظيرتها “الكرامة” بالأمر نفسه عند دخولها لبنغازي فتوقفت راديوهات محسوبة على الإخوان المسلمين كراديو المنارة وراديو أجواء، وراديو آخر كان يبث لصالح تنظيم أنصار الشريعة، إضافةً لإيقاف راديو الجزيرة.

عمليًا بعد دخول قوات مجلس النواب “عملية الكرامة” لبنغازي توقفت كافة الراديوهات عن العمل وعادت تدريجيًا رفقة راديوهات جديدة تبث لصالح العملية، إلى أن إستقر الأثير -كما يبدو- إلى ما هو عليه الآن بعد 5 أشهر من الحرب داخل المدينة لا مشارفها ليصير عدد الراديوهات 8 كلها ليبية إلا واحدة فقط.

 

88.1 راديو سوا

راديو أميركي يبث على مدار الساعة أغانٍ عربية وغربية مصحوبة بأخبار موجزة وفقرات إذاعية.


 

89.3 راديو ليبيا الوطنية

الإذاعة الرسمية المفترضة للدولة تتبث من طرابلس وتتبع لحكومة المؤتمر الوطني العام.


 

90.5 راديو بي بي إن

راديو BBN “شبكة راديو وتلفزيون بنغازي” محطة إذاعية تابعة للسلطات المحلية بالمدينة يهتم بالشؤون لمحلية في إطار بلدية بنغازي.


 

96.9 راديو أثير المدينة  

محطة إذاعية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية تبث أناشيد جهادية ودروس وعظية إسلامية تحث على الجهاد في المجمل.


 

98.7 راديو الوسط  

راديو خاص يبث من القاهرة يتبع للصحيفة الليبية “الوسط” يبث أغاني وبعض البرامج الإذاعية المنوعة


 

99.1 راديو ليبيا الكرامة  

بث إذاعي لتلفزيون ليبيا الكرامة الداعم لعملية كرامة ليبيا العسكرية، يبث برامج إخبارية وحوارية


 

 

99.5 راديو وطن الكرامة  

بث إذاعي لتلفزيون وطن الكرامة يبث برامج إخبارية وحوارية داعمة لعملية الكرامة العسكرية، يبث من القاهرة.


 

100.1 راديو ليبيانا هيتس

Libyana HITS FM محطة إذاعية ليبية شبابية تبث الأغاني الغربية رفقة العربية مع نشرات إخبارية قصيرة باللهجة المحلية.

رصاصة في أحشاء عمتي

من هُنا نفذت..

A post shared by Wissam Salem | وسام (@wissamly) on

بدأ الأمر برمته بجهل الإنسان وكرهه تمازج الأمران وتكون سلاحٌ مُختلف الأصناف، تكونت هذه الأخيرة بفضلِ علم لا جهل بالطبع لكنه علمٌ مدفوع بالكراهية، وكراهية موهوبة للجهل، جهلٍ أعمى بالكراهية بشكلٍ أصح، منذ ذلك -وقبل- همّ الإنسان بإفتعال الحروب وأوغل في سفك الدماء حروبٌ لا تنتهي أحيانًا عرقية وتارة دينية وتارة أخرى بيئية معيشية، المهم أن الحروب تتكاثر.

يعلم الإنسان جيدًا معاناة الحياة في ظل الحرب إما لتجربةٍ سابقة أو روايات الأسلاف عنها أو معاينتها لدى الجيران، ومع ذلك لا يتردد في خوضها يرحب بها ويفتح لها داره ويوصد الباب عليها لتختلي به ولا يتمكن الحل الأهون أيًا كان شكله من الدخول.

“أي..” تأوهت واقفةً في مكانها جامدة بلا حراك، في ذلك الوقت جِسمٌ معدني غريب إخترق جلدها بسهولة كما فعل الزجاج وقطعة القماش من الستارة، غاص داخلاً ليصل إلى قولونها ويخترقه، ثم يكتفي متعبًا بالإستقرار هناك داخل أحشائِها.

في عصر أيامٍ سابقة بينما هي ساجدة صفير رصاص ومن ثم صوت إرتطام، تلقى حائِط غرفة نومها تلك الرصاصات غير البعيدة نسبيًا عن الشباك، بينما تتلقف غرفة المعيشة المجاورة الرصاصتين الأخرتين، ليس أمامك إلا السخرية تعقيبًا عما حدث، السخرية على ما قد يبكي، هو شيءٌ أساسي لنمط حياة تحت الحرب.

قبل لحظات من همسة “أي” إرتفع صوت الرصاص؛ ليس بإمكانك أن تعرف لِما؟ فعليًا ليس من حقك أن تعرف، في الواقع من يقذف بقذيفة الموت، هو أيضًا ليس واثقًا تمامًا لِما يفعل ذلك؟ كما أظن! إنتصبت متوجسة مبتعدة عن الغرفة خشية الرصاصة لكنها ولت الدبر تأمرني ناهيةً مستجدية -إجتمع النهي والأمر بتضاد الإستجداء- أن ألحقها مبتعدًا عن تلك الغرفة غير أني تباطأت كالعادة مستهزئًا بالرصاص لما سمعناه من صواريخ!

في المستشفى تُركت على السرير وهي تقاوم الآمها، بعد أن عانت لتصل إلى مكانها ذاك فليس بالهين أن تجتاز المتاريس القاطعة للطُرق، على السيارة أن تمشي على الرصيف، وعلى المتمترسين في الطرقات أن يروا بأن في السيارة إنسان يكاد أن يموت نزفًا، عليها أن تجاهد لتمشي على أقدامها أحيانًا فلا خيار فليس بالإمكان أن تعبر السيارة، هذا صحيح، عليك أن تموت قبل أن تصل إلى المستشفى، إلا إن حالفك الحظ وقاومت، هكذا فعلت هي.

في المستشفى ترى ثمار الحرب، مقاتلين يبكون رفاقهم وأخرين متفحمين، ترى الشيء العظيم، ترى كيف تصطك أسنان فمهم ليلاً من شدة البرد ولا يخفون بسمة على وجوهٍ لا تخفي الحرب طمعها لهم.

اليوم ستتألم عمتي من جرحٍ آلم بطنها ورصاصةٍ توسدت أحشائها، وليس لي إلا أن اتألم لها، وليس بوسع الكثيرين إلا التألم حسرةً على حبيبٍ قد فارق الحياة محاربٍ أم مسالم، ولحبيبٍ أصيب متألمين لألمه، أو بيتٍ قد نُسِف ونسفت معه ذكرياتهم ويومياتهم الدافئة.

الحرب كريهة نتنة، ولكن البشر يحبونها ويتلذذون برؤيتهم لها تنهشهم وتقضمهم فتبصقهم أشلاء، وإن جاهروا بكرههم لها، فهم في داخلهم يحبونها، يتعاطفون معها، جُبِلوا عليها!