جسرٌ من القراء، للفرار من الحرب

في ظل حرب مستمرة ببنغازي لم تتوقف، العشرات يحيون اليوم العالمي للكتاب وسط الشارع رغم كل الظروف والأزمات لعيش تجربة جديدة.

اتسمت أيام الكتاب العالمي في السنوات الأخيرة ببنغازي قبيل الحرب بإقامة معارض للكتب المستمعلة وأخرى لكتبٍ جديدة في معظم الأحيان إلى أن اندلعت الحرب، بعد عامين أعيد إحياء يوم الكتاب بالمدينة مجددًا وإن كان بصيغة مغايرة هذه المرة كما رأى منظموها ومشاركون بها؛ فعلى إمتداد شارعٍ رئيسي تجمع عدد من الأهالي ليقرؤوا لمدة ساعة تقريبًا، مكونين بذلك “جسرًا بشري” للقراءة دعت إليه مؤسسة تاناروت الثقافية. يقول صهيب الغويل (26 سنة) أحد منظمي الفاعلية، أنهم في كانوا قد بدأوا قبيل حوالي الشهر من يوم الكتاب في مناقشة الأسلوب الأمثل لإحياء هذا اليوم، غير أنهم لم يبدأوا في التحضير له فعليًا إلا قبيل حوالي الأسبوع من الموعد.

نحو الشارع مباشرة
’’كل النشاطات المتعلقة بالثقافة عادةً ما تكون في قاعات مغلقة، ويوم الكتاب لا بد أن يكون ملامسًا للناس مباشرة دون حائل ليعطي أثرًا أكبر‘‘ يقول محمد الترهوني مسؤول فاعلية “جسر القراء”، مشددًا على أهمية توسع قاعدة المستهدفين بنشاطات احياء أيام اليونيسكو بصفة عامة لما لها من طابع إنساني مهم وليتلافى الناس الخيبات السياسية الحالية حسب رأيه.
ولم يكن اختيار شارع دبي بمحض المصادفة حسب عضوة تاناروت عائشة خليفة، حيث قالت أن الاختيار قد جاء بعد دراسة مسبقة فهو إلى جوار أنه شارع رئيسي مهم بالمدينة وشديد الإكتظاظ، فإن به بيئة ميسرة لولوج الأشخاص ذوي الإعاقة، الأمر الذي يفترض به أن يوسع قاعدة المشاركين والتي ضمت حضور ناشطي المجتمع الدني وذوي إعاقة وكذلك رجال أعمال وأطفال.
نشر الثقافة
تؤمن عائشة بأنه من شأن هذه الفاعلية ومثيلاتها أن تكون مسارًا لبناء البلاد ببناء الإنسان وتثقيفه لنفسه حيث إن الفاعلية تسلط الضوء أمام الجميع في الشارع على الكتاب وأهميته لإنضاج الفكر. وتعتبر مبروكة جبريل (50 سنة) أن الفاعلية يمكنها أن تشجع على القراءة والتزود بالعلم وتخلق الحافز لذلك، كون “الشعب بصفة عامة ميال إلى أن يستمع أو يشاهد على أن لا أن يقرأ” بحسب قولها، القول الذي لا تبتعد عنه نجاة (59) كثيرًا فهي تصف الوضع الحالي بالمأساة مُرجعة ذلك إلى “الإبتعاد عن القراءة والتثقف بأميال عدة”.
تنتشر مجهودات بسيطة حثيثة في عدة مناطق من ليبيا للتحفيز على القراءة والمطالعة لكن الفاعلية هذه اتسمت بأنها ذات “لفتة عصرية مستحدثة” بحسب رأي رشيد عبد الله (24 سنة) والذي يرى أنها تتطلب شجاعة كبيرة لتنفيذها لعدم تقبل الناس لها حاليًا كونها ثراء فكري محض في ظل الظروف الراهنة التي تجعل من المواطن منشغلًا في البحث عن قوت يومه الذي يمكنه من الملبس والمأكل دون الإلتفات لأي شيء آخر – وإلى ذلك يضيف رشيد: ’’ما أن يتم حل المشاكل الحياتية سيكون هنالك قابلية وانفتاح أكبرمن معظم الليبيين بشأن القراءة‘‘. ويقول جمال بخاطرة (56 سنة) والذي كان مارًا مصادفة عبر شارع دبي حيث استوقفه التجمع فشارك فيه أن “هذه أكبر دعاية للكتاب يمكن أن تقام، حيث سيثار اهتمام الناس المبتعدة عن الثقافة والكتب بعد أن يشاهدوا أناسًا آخرين يقرؤون الكتب في الشارع”، بل إن بخاطرة يأمل حتى أن تعم “ثقافة استثمار الوقت” في قراءة كتاب ما أثناء الوقوف في طوابير المخابز في ظل الأزمة الحالية بدلاً من هدره في الإنتظار والغضب.
موسيقا الشارع
فاعلية جسر القراء لم تقتصر على القراءة فحسب، فقد شهدت أيضًا حضور فرقة تاناروت الموسيقية وقيامها بعزف مباشر في الشارع، الأمر المستحدث والذي لم يسبق أن أقيم بالمدينة. المغني مصطفى عبد المجيد أشار إلى أن ’’الحياة قد تطورت‘‘ وأنه باث بإمكاننا اليوم عزف الموسيقى في الشارع مباشرة وملاقاة استساغة من المجتمع. بينما استبقت نجاة أي انتقاد قد يوجه إلى إقامة حفل موسيقي بالشارع بقولها أن ’’الموسيقى غداء الروح مثل الكتاب، فلا ينبغي أن يتحاذق علينا أحد بتحريم أيًا من الكتاب أو الموسيقى لأي سبب‘‘.
فاعلية “جسر القراء” لم يكن من المقرر لها أن تشهد حفل موسيقي بسيط من قبل فريق تاناروت فقط بحسب صهيب الغويل، فقد كان المنظمون يسعون إلى أن يكون الحدث أكبر بحيث أن يكون هناك حفل موسيقي أكبر في الشارع يشارك فيه هواة العزف والموسيقى غير أن تخوف المنظمين من “الوضع العام الحالي” جعلهم يقتصرون الحفل على فريقهم الموسيقي حصرًا.
كتب مجانيّة
بحسب منظمي فاعلية “جسر القراء” فإنه وبالمجمل قد تم توزيع قرابة الألف كتاب على الناس معظمها قد اهداه مجلس الثقافة العام للفاعلية، وأن عدد القراء المشاركين قد قارب 300 شخص، حيث وزع المنظمون الكتب على القراء الجالسين على الرصيف إضافةً إلى السيارات المارّة في الشارع. يقول الغويل أن الهدف الأساسي لديهم كان إيصال أكبر كمية من الكتب المجانيّة للعامة وتشجيعهم على القراءة، ويرى أنهم قد نجحوا بذلك، كما أبدى إعجابه بمدى تجاوب الناس مع فكرة جديدة بشكل إيجابي حيث لم يتعرضوا لأي مضايقات أو عراقيل، قائلاً: ’’طالبنا بتواجد بعض العناصر الأمنية لضبط الوضع في حال وجود أي خلل، لكننا لم نحتج إليهم بل إنهم حتى شاركوا مع باقي الناس في الجلوس والقراءة وآخرين في الرسم‘‘، لكن ذلك لا ينفي أن توقعاتهم بشأن زخم الحضور قد خابت أيضًا، فالغويل يقول أنه كان يتوقع حضورًا أكبر للفاعلية إلا أنه أرجح أسباب الضعف إلى حالة الطقس الحار، وتوقيت الحدث، كما أقر بأن سوء الدعاية كان قد لعب دورًا مهمًا في ذلك.

أما نعيمة جبريل فهي تأمل أن تنظم الفاعلية مرةً أخرى العام المقبل في شارع عمر المختار في وسط المدينة بعد أن يتم ترميمه وتنظيفه من الألغام ومخلفات الحرب وعودة الناس إليه، آمال يرنوا أهالي المدينة إليها ويصابرون على معاناة حربهم ويهربون منها ولو مؤقتًا بمطالعة كتاب!

Advertisements

لمن أثير الإف إم في بنغازي اليوم؟

photo by Alosh Bennett, from flickr
photo by Alosh Bennett, from flickr

قبل سنوات عديدة لم يكن بأثير الـFM في مدينة بنغازي سوى إذاعتان حكوميتان “إذاعة الجماهيرية العظمى” الناطقة بلسان الحكومة آنذاك و”إذاعة بنغازي المحلية” وقبيل فبراير/شباط 2011 بسنوات قليلة ظهرت للوجود محطتي “الليبية إف إم” و”ليبيانا إف إم” التان خصصت جل وقتهما للموسيقا والترفيه، إضافة لراديو الإيمان لتلاوة القرآن والأحاديث.

بعد سيل فبراير

مواكبةً للسيل الإعلامي في كل شيء المترافق لأحداث فبراير شباط 2011 في بنغازي تكونت العشرات من محطات الراديو الليبية ذات الطابع التعبوي الثوري بعد إيقاف راديو “إذاعة الجماهيرية” وأخواتها، وبعثت راديوهات دولية كالجزيرة ومونت كارلو وبي بي سي والآن وغيرها، لم يدم الأمر طويلاً فبعد أشهر اختفت جل الراديوهات المحلية وبعض الدوليات.

فجر وكرامة -ليبيا.

في منتصف عام 2014 الماضي إندلعت الحرب الأهلية الثانية باسماء “كرامة ليبيا” و”فجر ليبيا” كعمليات عسكرية، وكان لكلاهما أثرًا جلي على أثير الراديو، فسارعت عملية فجر ليبيا بعد سيطرتها على طرابلس بإخراس محطات الراديو المعارضة لها، وقامت نظيرتها “الكرامة” بالأمر نفسه عند دخولها لبنغازي فتوقفت راديوهات محسوبة على الإخوان المسلمين كراديو المنارة وراديو أجواء، وراديو آخر كان يبث لصالح تنظيم أنصار الشريعة، إضافةً لإيقاف راديو الجزيرة.

عمليًا بعد دخول قوات مجلس النواب “عملية الكرامة” لبنغازي توقفت كافة الراديوهات عن العمل وعادت تدريجيًا رفقة راديوهات جديدة تبث لصالح العملية، إلى أن إستقر الأثير -كما يبدو- إلى ما هو عليه الآن بعد 5 أشهر من الحرب داخل المدينة لا مشارفها ليصير عدد الراديوهات 8 كلها ليبية إلا واحدة فقط.

 

88.1 راديو سوا

راديو أميركي يبث على مدار الساعة أغانٍ عربية وغربية مصحوبة بأخبار موجزة وفقرات إذاعية.


 

89.3 راديو ليبيا الوطنية

الإذاعة الرسمية المفترضة للدولة تتبث من طرابلس وتتبع لحكومة المؤتمر الوطني العام.


 

90.5 راديو بي بي إن

راديو BBN “شبكة راديو وتلفزيون بنغازي” محطة إذاعية تابعة للسلطات المحلية بالمدينة يهتم بالشؤون لمحلية في إطار بلدية بنغازي.


 

96.9 راديو أثير المدينة  

محطة إذاعية تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية تبث أناشيد جهادية ودروس وعظية إسلامية تحث على الجهاد في المجمل.


 

98.7 راديو الوسط  

راديو خاص يبث من القاهرة يتبع للصحيفة الليبية “الوسط” يبث أغاني وبعض البرامج الإذاعية المنوعة


 

99.1 راديو ليبيا الكرامة  

بث إذاعي لتلفزيون ليبيا الكرامة الداعم لعملية كرامة ليبيا العسكرية، يبث برامج إخبارية وحوارية


 

 

99.5 راديو وطن الكرامة  

بث إذاعي لتلفزيون وطن الكرامة يبث برامج إخبارية وحوارية داعمة لعملية الكرامة العسكرية، يبث من القاهرة.


 

100.1 راديو ليبيانا هيتس

Libyana HITS FM محطة إذاعية ليبية شبابية تبث الأغاني الغربية رفقة العربية مع نشرات إخبارية قصيرة باللهجة المحلية.

لماذا ليس علينا أن نكره سنة 2014؟

إحتفالات طرابلس بذكرى إنتفاضة فبراير – ميديا ميدان الشهداء
كعادتنا، من سنةٍ إلى سنة نترحم على السنون السالفة ونلعن سنتنا المُرة، الحنين للماضي هو نمط حياة مجتمعنا، ليس المجتمع الليبي وحده إنما كافة -لنقل جُل- مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لماذا ليس علينا أن نكره سنة 2014 في ليبيا تحديدًا؟

بداية لطيفة

إنتخابات الهيأة التأسيسية (لجنة الستين)

VOTED
إنتخاب ممثلي سرت في الهيأة التأسيسية – صورة من تويتر @LibyaFromFrance

في مطلع عام 2014 وفي يومه الأول تُبشرنا وكالة الأنباء الليبية الحكومية بخبر إعلان المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات بتخطي عدد المسجلين في قوائم الناخبين المليون ناخب، الرقم الهزيل نسبيًا مقارنة مع إلإنتخابات التشريعية 2012، وفي ذات الوقت إنطلقت حملة الدعاية الإنتخابية لمرشحي الهيأة التأسيسية المكلفة بإعداد وصياغة الدستور، دستورٌ يتفائل به المتفائلون -لأكن منحازًا وأقول الواهمون- ولا يرى فيه المتشائمون إلا حبرٌ سيلوث الورق لا أكثر ولا أقل في ظل أنا السلاح بيد “المجتمع الجاهل”.

“إنتخب من أجل دستورك” الجملة التي ملأت الطرقات ولاقتك أينما وليت وجهك في المدن الليبية الكبرى بالخصوص، وبنسبة 45% شارك الليبيون في “إعداد دستورهم” في إنتخابات يوم 20 فبراير/شباط، عزوف كبير في التسجيل الميسر والمشاركة بسبب “يأس” عم الشارع من إمكانية التغيير والسلبية كما وصفت آنذاك، وفي مقابل كل ذلك كانت مفوضية الإنتخابات قد أعدت إنتخاباتٍ بمستوى جيد جدًا إعلاميًا وتنظيميًا -عن نفسي في يوم الإنتخاب ذاك شعرت للمرة الأولى في ليبيا بأنني أعامل كإنسان!- وإن لم تنتخب كل المدن ممثليها بسبب مقاطعة الأمازيغ المطالبين بحقوقٍ لهم، وأحداث عنف وتطرف عصف بمدن أخرى على رأسها بالطبع مدينة درنة.

إنتخابات مجلس النواب

الليبيين بشيكاغو: إنتخاب مجلس النواب الليبي - صورة عن @libyanproud
الليبيين بشيكاغو: إنتخاب مجلس النواب الليبي – صورة عن @libyanproud
موظفي الإقتراع لإنتخابات مجلس النواب - طرابلس
موظفي الإقتراع لإنتخابات مجلس النواب – طرابلس

بعد أسابيع قليلة من إنتخابات فبراير شباط التأسيسية جرت إنتخابات تشريعية في 25 يونيو/حزيران التي أفضت بتأسيس مجلس النواب إنصياعًا لإحتجاجات شعبية واسعة باسم “لا للتمديد” في مدن ليبية مختلفة طوال أشهر ضد “المؤتمر الوطني العام” وصلت إلى حد تهديد هذا الأخير بالهجوم المسلح عليه من قبل ميليشيات لثوار سابقين محسوبة على مدينة الزنتان.

هذه الإنتخابات هي الأخرى لم تمد سنتنا “2014” بروح الأمل اللازم بعد فقدان كل ما أمكن تشربه من إنتخابات “لجنة الستين”، الإنتخابات التشريعية مرت بظروف عسيرة وصراع مسلح على أشده ما بين ميليشيات شبه نظامية ونظامية أعلنت عن “عملية الكرامة” للقضاء على جماعة “أنصار الشريعة” وحلفائها والتي لم تكن مدرجة أمميًا على قائمة الإرهاب وقتها.

مظاهرة لا للتمديد بطرابلس – عن ميديا ميدان الشهداء

فرحٌ كروي

إحتفالات في طرابلس للفوز بكأس أمم أفريقيا للمحليين – عن ميديا ميدان الشهداء
“علي الزغداني” فرحًا بفوز المنتخب الليبي

في يومٍ ماطر من أيام يناير/كانون الثاني المئِات من الليبيين إحتشدوا في ميدان الشهداء بقلب العاصمة طرابلس كانت تلك اللحظة تجسد عودة الإنسان الليبي إلى حالته الطبيعية العاشقة للحياة والترفيه، العاشقة للمستديرة التي صارت لا شيء بسبب وباء التسلح المنتشر والعنف المتصاعد، كانت تلك الصور المميزة للزغداني فرحًا بفوز منتخب بلاده وظفرها لكأس بطولة قارية للمرة الأولى في تاريخها خير تعبير عن ما يجب أن يشغل بال الليبيين، لكن هذا لم يدم طويلاً.

نهر الموت – الحرب الأهلية

طائرة ليبية تحترق على مدرج مطار طرابلس الدولي – صفحات فيسبوك

لا تأثير “للأحداث اللطيفة” في وجه العنف والموت المتصاعد، بنغازي التي فتح صنبور الإغتيالات فيها لأعوام إنفجر وصارت الإغتيالات فيه يومية بأعداد ليست بالهينة، وفي نهاية الربع الأول من العام ظهر ما عرف بعملية الكرامة للقضاء على متطرفين إسلاميين أتهموا بالوقوف وراء عمليات الإغتيال الروتينية بالمدينة، لتنطلق حربٌ لم تنتهي حتى الآن.

معارك بمنطقة الصابري في بنغازي - عن @fadelullahbujw2
معارك بمنطقة الصابري في بنغازي – عن @fadelullahbujw2

كيف لنا أن لا نكره سنة 2014 وفيها قد خطفت روح توفيق بن سعود وسامي الكوافي، وسلوى بوقعيقيص، مفتاح بوزيد، والكثير؟! هل سنكره سنة 2015 أيضًا؟! لا أحتمل غير ذلك حقًا.

رصاصة في أحشاء عمتي

من هُنا نفذت..

A post shared by Wissam Salem | وسام (@wissamly) on

بدأ الأمر برمته بجهل الإنسان وكرهه تمازج الأمران وتكون سلاحٌ مُختلف الأصناف، تكونت هذه الأخيرة بفضلِ علم لا جهل بالطبع لكنه علمٌ مدفوع بالكراهية، وكراهية موهوبة للجهل، جهلٍ أعمى بالكراهية بشكلٍ أصح، منذ ذلك -وقبل- همّ الإنسان بإفتعال الحروب وأوغل في سفك الدماء حروبٌ لا تنتهي أحيانًا عرقية وتارة دينية وتارة أخرى بيئية معيشية، المهم أن الحروب تتكاثر.

يعلم الإنسان جيدًا معاناة الحياة في ظل الحرب إما لتجربةٍ سابقة أو روايات الأسلاف عنها أو معاينتها لدى الجيران، ومع ذلك لا يتردد في خوضها يرحب بها ويفتح لها داره ويوصد الباب عليها لتختلي به ولا يتمكن الحل الأهون أيًا كان شكله من الدخول.

“أي..” تأوهت واقفةً في مكانها جامدة بلا حراك، في ذلك الوقت جِسمٌ معدني غريب إخترق جلدها بسهولة كما فعل الزجاج وقطعة القماش من الستارة، غاص داخلاً ليصل إلى قولونها ويخترقه، ثم يكتفي متعبًا بالإستقرار هناك داخل أحشائِها.

في عصر أيامٍ سابقة بينما هي ساجدة صفير رصاص ومن ثم صوت إرتطام، تلقى حائِط غرفة نومها تلك الرصاصات غير البعيدة نسبيًا عن الشباك، بينما تتلقف غرفة المعيشة المجاورة الرصاصتين الأخرتين، ليس أمامك إلا السخرية تعقيبًا عما حدث، السخرية على ما قد يبكي، هو شيءٌ أساسي لنمط حياة تحت الحرب.

قبل لحظات من همسة “أي” إرتفع صوت الرصاص؛ ليس بإمكانك أن تعرف لِما؟ فعليًا ليس من حقك أن تعرف، في الواقع من يقذف بقذيفة الموت، هو أيضًا ليس واثقًا تمامًا لِما يفعل ذلك؟ كما أظن! إنتصبت متوجسة مبتعدة عن الغرفة خشية الرصاصة لكنها ولت الدبر تأمرني ناهيةً مستجدية -إجتمع النهي والأمر بتضاد الإستجداء- أن ألحقها مبتعدًا عن تلك الغرفة غير أني تباطأت كالعادة مستهزئًا بالرصاص لما سمعناه من صواريخ!

في المستشفى تُركت على السرير وهي تقاوم الآمها، بعد أن عانت لتصل إلى مكانها ذاك فليس بالهين أن تجتاز المتاريس القاطعة للطُرق، على السيارة أن تمشي على الرصيف، وعلى المتمترسين في الطرقات أن يروا بأن في السيارة إنسان يكاد أن يموت نزفًا، عليها أن تجاهد لتمشي على أقدامها أحيانًا فلا خيار فليس بالإمكان أن تعبر السيارة، هذا صحيح، عليك أن تموت قبل أن تصل إلى المستشفى، إلا إن حالفك الحظ وقاومت، هكذا فعلت هي.

في المستشفى ترى ثمار الحرب، مقاتلين يبكون رفاقهم وأخرين متفحمين، ترى الشيء العظيم، ترى كيف تصطك أسنان فمهم ليلاً من شدة البرد ولا يخفون بسمة على وجوهٍ لا تخفي الحرب طمعها لهم.

اليوم ستتألم عمتي من جرحٍ آلم بطنها ورصاصةٍ توسدت أحشائها، وليس لي إلا أن اتألم لها، وليس بوسع الكثيرين إلا التألم حسرةً على حبيبٍ قد فارق الحياة محاربٍ أم مسالم، ولحبيبٍ أصيب متألمين لألمه، أو بيتٍ قد نُسِف ونسفت معه ذكرياتهم ويومياتهم الدافئة.

الحرب كريهة نتنة، ولكن البشر يحبونها ويتلذذون برؤيتهم لها تنهشهم وتقضمهم فتبصقهم أشلاء، وإن جاهروا بكرههم لها، فهم في داخلهم يحبونها، يتعاطفون معها، جُبِلوا عليها!

وداعًا يا سامي وتوفيق!

توفيق بن سعود
توفيق بن سعود

مدنية وإن طال طال النضال، هذه كانت جملة توفيق بن سعود الدائمة في أيامه الأخيرة المقتبسة من كلمة المناضل الراحل عبدالسلام المسماري توفيق الفتى الصغير ذو الحلم الكبير، لطالما آمن بالأمل والمستقبل الجيد للبلاد، كان يسعى وكنت دائمًا ما أحاول تثبيط عزمه، كان يؤمن بليبياه، كان حُرًا متحررًا داعيًا للحرية، كان مسالمًا كان فتى جيدًا، كذلك رفيق سامي! سامي الكوافي.

توفيق الناشط، توفيق مات، قتِل! مستحيل، بعد يومين كان سيقدم ورشة عمل عن المواطنة الفعالة، كيف يموت؟ this must be a joke! مكتوب عليّ بعد ان أغرد ساخرًا عن منطق القتلة من يقتلون غير المسلحين عن فعلتهم، إنها إجابة نقتل لنريح عن نفسنا ونكدرها عليكم!

سامي الكوافي
سامي الكوافي

سامي كان كالظل لتوفيق ما من عملٍ أو نشاط إلا وسامي بلا شك حاضر، مات سامي ومات توفيق.

متّ يا توفيق بعد أن أديت الكثير وكان أمامك أن تؤدي الكثير، في كل يومٍ من حياتك كنت ترسخ في فكرة العمل المدني الشباب السلمي، في أرضٍ كانت مليئة بالحقد والتنازع والإحتراب، متّ يا توفيق قبل أن تفي بوعدك لي وقبل أن نجريّ ورشة العمل الخاصة بالتدوين والمدونيين الليبيين، من سأستشير الآن؟ رحلت قسرًا قبل ان تؤدي الكثير من أحلامك وطموحاتك، كنت الأول دائمًا في أي عملٍ سلمي، كنت الأول من أجل أطفالِ تاورغاء المهجرين، كنت الأول من أجل التناظر والرقي بالحوار وتبادل الأفكار، كنت الأول من أن يحل السلام، كنت الأول من أجل نظامة مدينتك، من أجل السلام، من أجل البيئة، من أجل الأرض..

توفيق لم يكن فتى لم يتجاوز العشرين عامًا فقط، توفيق كان أكثر بكثير، آسف يا توفيق! خذلناك.

سنفتقدكما.

جدليّة الدراسة الجامعية في خضم الحرب الأهلية!

جامعة بنغازي
جامعة بنغازي

مضت أشهرٌ طوال منذ أن توقفت الدراسة بجامعة بنغازي [مُنذ منتصف أيار/مايو] حيث أعلنت الميليشيات شبه النظامية بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر حربها على “الإرهاب” وبادلته الميليشيات الإسلامية  المتطرفة إعلانها الحرب على “الطاغوت” حفتر، وفي الغرب هناك بطرابلس، فقد أعلنت الجامعة إيقافها الدراسة مُنذ مطلع آب/أغسطس الحالي بعد أن تزايدات حدة الصراع ما بين ميليشيات إسلامية وأخرى شبه نظامية، وبعد أن بأتت الجامعة غير بعيدةً عن مرمى النيران؛ اليوم جامعة بنغازي تعلن إستئناف الدراسة في الثلاثين من الشهر الجاري، بينما أعلنت طرابلس إستئناف الدراسة في منتصف الشهر المقبل، أيمكن ذلك؟

توقفت الدراسة بالأساس في بنغازي لتواجد معسكراتٍ رئيسية للميليشيات المختلفة والمتقاتلة بمحيط الجامعة، ففي إحدى أيام مايو الماضي تحصن عناصر إحدى الميليشيات بداخل الحرم الجامعي بعد أن تعرضوا لهجومٍ من قبل ميليشيا أخرى معادية لهم، وكذلك سقوط قذائف صاروخية مجهولة المصدر لعدة مرات ألحق بعضها أضرار مادية بالغة نسبيًا وفي أحيانٍ أخرى كانت تسقط في أماكن خالية. حسنًا دعونا وفقًا لما سبق أن نفكر هل من الصواب إستئناف الدراسة؟ هل من شيءٍ  قد تغير؟ أانتهت كل الأسباب السابقة؟ قطعًا لا، بل زادت.

’’ يوجد بالجامعه منطقة تملك فيها قوات كتيبة الـ21 أمر بإطلاق النار وهي المنطقة المحيطة بداخلي البنات؛ ونحن اصلاً شن نِبّوا فيها؟‘‘

– د. محمد المنفي، رئيس لجنة الأزمة والناطق الرسمي بإسم جامعة بنغازي

جامعة بنغازي تُصر على أن تستأنف الدراسة نهاية الشهر الحالي حتى لا يضيع الوقت هباءً غير مباليةً بالوضع الأمني المتأزم بالمدينة مكتفيةً بوعودٍ من جانب الميليشيات الإسلامية المتطرفة والشبه نظامية بعدم التعرض لها، الوعود التي لا يمكن بأي شكلٍ من الأشكل الوثوق بها!

يقف عددٌ لا بأس به لصالح قرار إستئناف الدراسة خصوصًا أولئك ذوي الفصل الدراسي الأخير قُبيل تخرجهم وإنهاء حقبة مريرة بين جدران الجامعة الإسمنتية البالية، من حقهم أي نعم ولكن إستئناف الدراسة في وضع الحرب العلنية هذه مسٌ من الجنون، ناهيك عن الخطة الحالية للجامعة التي ترى الإكتفاء بما تم منحه من منهج دون إكماله والإمتحان فيه مباشرةً، الأمر مثير للغثيان فنحن لا نشهد تعليم رديء وحسب بل ومنتوج رديء بل منتوج رديء أيضًا على غرار الـ80% نجاح في الشهادة الثانوية لسنة 2014، بفضل الغش والفوضى طبعًا.

جامعة طرابلس - كلية الهندسة
جامعة طرابلس – كلية الهندسة

جامعتي طرابلس وبنغازي تُصران على إستئناف الدراسة رغم الظرف الحرج الحالي في كلتا المدينتين والذي يزداد سوءً لا إستقرارًا يومًا بعد يوم من دون وضع أيّ إعتبار لمسألة النزوح المكثفة التي شهدتها عددٌ من أحياء كل من طرابلس وبنغازي ناهيك على من غادر البلاد بأكملها تخوفًا على نفسه من رأي أو موقفٍ قد تبناه في إطار الإحتراب الأهلي الحالي.

اليوم بات لدينا عدة سيناريوهات قاتمة حول مستقبل الجامعات في حال تم فعلاً إستئناف الجامعة مقابل سيناريو جميل هو أشبه بالحلم وهو أن تعود الدراسة مجددًا وتجرى الإمتحانات دون أيّ عراقيل أمنية مصاحبة غير غياب جُل الطالبات لطبيعة المجتمع وتخوف أسرِهن عليهن، هذا هو السيناريو الأشد وردية؛ حيث بالإمكان رسم سيناريو تطويق الجامعات من قبل أي ميليشيا وفي أيٍّ من الجامعتين، ويمكن تصور سيناريو أشد وحشيّة بإندلاع معركة مفاجِئة في محيط الجامعة قد تنتقل إلى داخل الجامعة.

كل هذه السيناريوهات وغيرها لا يمكن بأي شكل الإستخفاف بها فهي قبل جدًا للحدوث فالأطراف المتقاتلة حاليًا ليس لها ذرة من عقل تفكر به قبل أن تباشر أعمالها المدمرة الغبية، ولكم في ما حدث من تدمير وتخريب في كلتا المدينتين ومن قبل كافة الميليشيات مثال واضح وجلي على أنه ينبغي الوجل والحذر قبل إتخاذ قرارٍ متعجل بإستئناف الدراسة دون تفكيرٍ معمق في عواقف قرار مصيري بحق الألاف من الطلاب والطالبات والإكتفاء بالسخرية من هكذا سيناريوهات والتعويل على شعارات جوفاء حول وطنية الليبيين و”هاذول ليبيين زينا مستحيل يديروا هكي” فرغم كل ما حدث وما يحدث في ظل الحرب الطاحنة لا يزال البعض غارقٍ في وهم “الليبيين شعب طيب” وأصيل، أو التستر بحجج الدين “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” والعمر واحد، واللي كاتبها ربك تصير! يلقون بأنفسهم إلى التهلكة ثم يقولون لما هلكنا، هكذا إعتدنا، المثير للسخرية هي حجة إعادة الدراسة لإجبار الميليشيات على وقف القتال! ويكأن عاشقي الدم المتقاتلين يخشون سفك الدم! ليست هذه الأسباب فقط المبررة لإيقاف الدراسة فالنازحين والحالة النفسية وأسبابٌ أخرى تعد اسبابًا أساسية لتبني فكرة

أوقفوا الحرب، وإلى حين ذلك أوقفوا الدراسة؛ السلامة العامة أولاً.

11-14

صورة أرشيفية - المصور عبدالله دومه ©
صورة أرشيفية – المصور عبدالله دومه ©

(1)

أناسٌ خرجوا للتظاهر ردوا عليهم بالمياه الساخنة والرصاص، الناس “دمها حامي” إقتحمت المعسكرات وتسلحت، ووحدات عسكرية انشقت.

(2)

حربٌ أعلنت بين جيشٍ ومتطوعين، وبين جيشٍ منشق ومتطوعين ايضًا.

(3)

حربٌ أهلية، سماها طرفٌ بالثورة المسلحة، والآخر أعلنها حرب للدفاع عن الوطن “وسلطة الشعب”.

(4)

لحماية المدنيين تدخلت دولٌ، سميت من الطرف الأول “طيوار ابابيل”، والآخر قاتلها وأعلن الحرب على العدو “الصليبي الغاشم” المستعمر.

(5)

إنتهى الأمر، أو هكذا قيل.

(6)

الحرب الأهلية الأولى كانت زلزال له إرتدادات

(7)

حروبٌ أهلية في الجنوب بين التبو والعرب؛ حروبٌ قبلية في غرب البلاد

(8)

الحرب الأهلية الباردة في طرابلس ما بين الزنتان ومصراتة مستمرة

(9)

حربٌ أهلية في بني وليد، تنتصر مصراتة فيها (أو درع ليبيا) أمام التلفزيون.

(10)

ماحكَّ المُماحِكون مُماحكاتهم السياسية، واختطف الخاطفون مخطوفيهم، وابتز المبتزون مُبتزِّيهم، وسار السائرون في غير مساراتهم.

(11)

ميليشيات نظامية تقاتل في ميليشيات شبه نظامية في بنغازي بإسم الحرب على الإرهاب في بنغازي والحفاظ على الثورة من الإنقلاب.

ميليشيات شبه نظامية تقاتل في ميليشيات شبه نظامية في طرابلس بإسم الثورة وعدم “سيطرة” ايدلوجية على البلاد.

(12)

حرب السياسة إنتهت، لا شيء يعلو فوق صوت السلاح

(13)

الغراد يقصف داخل المدن، لا بد أن تتجرع كل المدن من ذات الكأس، روح الإنتقام

(14)

برلمان يطالب بتدخل خارجي بعد ان عجز عن إيجاد حل وانفلت الأمر، “وطنيون” يرفضون تدخل الغرب لعدم “خيانة” الثورة.

(00)

ثلاث أعوام من الإحتراب الأهلي الدائم المتقطع، بلادٌ مزقها السلاح واستذكرت كل خلافاتها التاريخية او العرقية، أموال ضُخت لتزيد من النفوس الملوثة، بإسم الدين، وبإسم الوطن، وتارةً بإسم الشعب، وعادةً بإسم الثورة، قُتِل الشعب، من 2011 حتى 2014 وإلى ما بعده ظلَّ الليبييون يتقاتلون دون وعي؛ في البدء انقسم الشعب لقسمان (قسم مع الحرية وآخر عبيد للديكتاتورية) هكذا رأى الطرف الأول، أما الثاني فكان يرى ( قسم مع المستعمر، وقسمٌ يدافع عن الوطن) غاب الطرف الثاني وظل الطرف الأول منتصرًا، أو هكذا ظهر الأمر في البدء، إنقسمَ الأول فخونَّ أصدقاء الأمس بعضهم البعض، المال فعل.

تعطش الجميع للدم، عشقوه، أدمنوا عليه لحد الثمالة، ضجيج آلة الحرب قد يكون نشازًا بالنسبة لك، لكنه لهم أعذب صوت، ولا زقزقة العصافير يا أخي!؛ بادر البعض بمبادرات من أجل المبادرة، واطلق آخرين دعوات حوارٍ من أجل الحوار، وهكذا أستمر الأمر إلى فشل، نظِّمت إنتخابات من أجل الإنتخاب حتى صار لدينا إنتخاباتُ شبه نصف سنوية، تارة انتخاباتٌ محلية، وتارة اخرى تشريعية، وتارة دستورية، قد ننتخب حكومتنا غدًا من يدري؟

إستمرت الحرب، ووجد برلمانٌ جديد نفسه في قلب صراعات عسكرية تدك المدن، فكر في حوارٍ وفشل، فكر في ضغطٍ بواسطة تدخلٍ أجنبي، فنعث بالخائن “للثورة” تلك الثورة التي ما كاد لها ان تحيا لولا ذاك التدخل، هل التدخل هو سباب ما نحن فيه؟ ربما نعم، وربما لا؛ الأمر ينبثق من موقفك إتجاه الحدث، لكن اللعب والإزدواجية تجعلك كاذبًا لا يقيم لعقله وزنًا، ما تكذبش وتعيش كذبتك، ما بين 2011 إلى 2014 مافيش شيء تغير، حرب أهلية مستمرة وقودها الدم.

الحرب هنا مستطونة، في اللاوعي.