البطة السوداء

طفولتنا مشت في مسلسلات وأفلام الكارتون، ما بين أي آر تي أطفال، وديزني وسبيستون، ولا سويعة الرسوم إللي بعد موجز الساعة 2 الظهر في إم بي سي. الذاكرة المشوشة مازلت تتذكر يوم ما جابت قناة أي آر تي فيلم البطة السودا أو القبيحة[*]، يومها قعدت سخرية العيلة ببكيتي على البطة المكروهة من جماعتها المتخلفة، واللي زاد رسّخ جلجلة البكيّة أني بكيت وأختي ويلي أصغر مني قلبها متحجر ولا أنهزت فيها شعرة 😒! من يومها كان كل ما يتعاود الفيلم، كانت أمي أذكرني ببكيتي على البطة السودا.

البطة السودا كانت آخر وحدة تفقس من الدحية من بين خوتها، ويوم طلعت لو كنت مكانها رآ كرهت عيشي -آكشلي- هو كره عيشته أصلاً، حب ومحد حبه، والعنصرية كانت تجيه من كل حدب! مش عارف إذا كره العنصرية شيء طبيعي بالفطرة يجي ولا ما لازم ينزرع فينا زرع، لكن الأكيد أن العنصرية تجي فينا بالفطرة – لأ، أنا هكي كذب لأن العنصرية وكرهها نقبض ولو في حاجة مؤكد أنها بالفطرة إذن فالثانية حتكون عكس الفطرة، مسلمة لتحقيق معادلة موزونة!

بسواده وشيانته بكل قعد في الآخير طير صقع أبيض مسخط يسمو فيه البجع! مع أن البجع أسمح من البط لكن نطق اسمه يوحيلك بطير شين – مايوحيلكش، يوحيلي ع الأقل- البجعة هذي انظلمت من عيلتها ومجتمعها لكن الحقيقة، أن البجعة ساعدت ع البخت لما سكرت رأسها أنها تنسجم مع محيطها، مكان مالكش فيه مش حتنسجم فيه ولو خبطت راسك في الساس.

العنصريّة حاجة شينة سواء انغرست فينا ولا جت هكي من سبحان سبحانه، والأشين أنك تحاول وتستميت في أنك تقعد في محيط مش مرحب بيك – فريق مش فريقك – والأشين من الاثنين اللي فاتن هي أنك تكبت عاطفتك.

لو تفرجت على الفيلم مرة آخرى، مش مستبعد أن البطة السودا حتبكيني مرة أخرى!

 

 

[*] The Ugly Duckling

لهاية بالعسل

“كنّا ندهشوا لما بنطبوك كنت سمين والبطاطين زادن من ثقلك من كثر ما خايفين عليك، كنت هادي ندكولك في هذك اللهاية المغطسة في العسل، معش نسمعوا حسك لين يكمل العسل اللي فيها!”

 – شهادات عائلية

وحدة من الجمل اللي نادرًا ما تكونش ترند في عيشتنا هذي هي “الحنين للماضي” وحنستغرب لو حد قال أنه مأهتمش أو سأل باته/أمه/أقاربه على طفولته وهو صغير بكِل. نحن نحبوا الماضي لأنه عدى وفات ومهما كان دراه في الفترة اللي عشناها هو خف ومعش قعد دراه كيف الأول وجاء دراه غيره بداله غطا عليه فمعش شفناه ونسيناه.

اليوم اللي خذيت فيه جلدة ظلم من استاذ الفيزياء في ثالثة أعدادي، قعدت ذكرى سمحة -كذاب مش سمحة، والاستاذ دراه وإن كان قمعزت معاه وجاملته قبل ست شهور ماليوم- لكن ممكن تكون ذكرى عركتك مع صاحبك وكيف ممكن تكون كرهته هضك اليوم قعدت ذكرى سمحة.

مش ضروري الشين مع الوقت يقعد سمح، لكن يقعد يبان سمح بدرجة “خير من”… المثال البسيط والمستهلك لحد الترجيع هو الليبيين كيف كرهوا المملكة وبعد الجمهورية والجماهيرية حبوها، وكيف كرهوا الجماهيرية وبعد دولة ليبيا كرهوها، وكيف كرهوا دولة ليبيا وبعد الدولة الإسلامية حبوها، وكيف حيكرهوا وححيبوا إلى ما لانهاية ومابعدها زي ما باز يقول، وزي ما لعنة سيزيف تقول، وزي ما أسطورة ام بسيسي تقول هي الأخرى.

الماضي عندنا هو اللهاية اللي بالعسل، اللي تسكتنا أو تلهينا ع اللي قاعدين فيه، لكن وبأسلوب شكسبير: لما كنت نمص في هذكي اللهاية اللي بالعسل كنت مضحكة ضحكوا عليّا هلي بشوية عسل وبلاستك، ولا كنت خبيث وضحكت على هلي؟ هذا هو السؤال.

 

فص من من عقلي يقول أني كنت خبيث وضحكت عليهم بوجبات من العسل لا نهائية وأنا مقمعز في مكاني كيف القيصر والعسل يجي لعند فمي، لكن الفصل المناظر ليه يقول إنضحك عليك وباعولي بلاستك بوهم العسل..

 

سنة أولى تعليم ليبي

بداياتي في المدارس ديما كارثية، زي ما كنت طالب مثالي في كل مدرسة قريت فيها، أنا كنت نموذج مثالي لحالة رهاب المدرسة في الأيام الأولى.

لأربع سنوات قراية مع باكستّان ومصريين ولبنانية وسوريين، 4 سنوات من مجتمع بعادات مختلفة واسلوب تواصل مختلف، انتقلت أنا وأختي فجأة لعالم مختلف تمامًا مش زي اللي تعودنا عليه، قعد لازم ما نحضروا طابور، وقعد لازم ما نقولوا نفس اللي يقولوا فيه مئات الطلاب اللي زينا ولو أننا مش فاهمين همّا فيش بقولو! أيام المواظبة على القراية في المدرسة كل يوم من 8 الصبح لعند 2 العشية تغير، وقعدت القراية بس من 12 ونص الظهر لعند 4 العصر، المدرسة المش نظيفة نسبيًا والصغيرة قعدت كبيرة وفصولها واجدة..

كنّا طلبة ليبيين الجنسية في مدرسة ليبية في العاصمة الليبية، لكن كنا أجانب؛ في الطابور كانو يعيطو بعرب ثوار، وبنحن الأشبال والسواعد وحاجات أخرى ما عمرنش سمعنا بيها، عيطنا معهم كيف ما فهمنا من عياطهم، عيطنا وقلنا نحن الأشباح، نحن الصواعق، ببراءة مطلقة!

أول ساعة في التغيير الكوني اللي صار وحولنا من نظام تعليم باكستاني “دسم” لليبي “لايت” كان صادم؛ في أخر درج في الفصل قمعزت أنا و@Ibtesam_Ly، بكوشين في آخر الصف، مش لابسين الزي، اللي في الفصل كلهم يشبهو لكلهم نفس اللبسة، أو “الزي” كيف ما تعودنا بعدين، الحصة الأولى، المادة مجهولة، لكن الأبلة شكلها مش حتجي، الأبلة غايبة.

من اليوم الأول في المدرسة الليبية، تعلمت طقس من أهم طقوس وشعائر المدرسة، “أوقفي عليهم” هذي الجملة اللي قلتها أبلة خشت 3 دقايق للفصل هدرزت وضحكت شوية مع بنت بيضاء شعرها أشقر النمش مسيطر على وجهها، سألتها في البداية “كيف حال ماما؟” وكلام أخر ما فهمتش علشان تقوللها في النهاية أوقفي عليهم..

صبت عيشة قدام الصبورة وفي يدها تباشير أبيض من لون وجهها، بدت تكتب في اسماء وحدين ع الصبورة، ناس مانعرفهمش توا لكن حنعرفهم لعند صف سادس.. من أول ما صبت عيشة ع الصبورة تغير الوضع في الفصل في مجموعات بطلت دوة وجمدت في مكانها ومجموعات لا، الهرجة ما وقفتش لمّا صبت، لكن استمرت بحذر!

أصحاب عيشة البنات اللي قدام من حقهن يهدرزن غيرهن لأ، هذي واضحة، فمي مازال مسكر ومافيش حاجة فيّا تتحرك غير عيوني اللي ترمش وريتي اللي تتنفس من خشمي، بعد 10 دقايق من وقوف عيشة علينا، جت لآخر الصف، صبت قدامي وسألت “شن اسمك”، ببلادة أجبت وسام، ردت للصبورة وكتبت ويسام، في الوقت هضكي اتضايقت واجد مش عارف لأنها كتبت ويسام أو لأنها تبلت عليّا، مش واضحة الذكريات اللي عندني، وين ما كانت عيشة البيضاء توا، يا ريت تكون تعرف تكتب وسام كويس!

“أتاي” عظمة الشاي

PS: طريقة إعداد الأتاي أسفل النص

من وأنا صغير [عادة نقول “من وأنا أنا صغير” مش عارف ليش] ديمة كنت نفكر لما نمشي للمدرسة ونروح يلي تلاقيت معاهم في المدرسة أهمه يروحوا شن يديروا؟ عايشين في نفس العالم اللي عايش فيه ويديروا في نفس الحاجات اللي ندير فيها؟

كنّا عيلة صغيرة وأنا صغير مافيش إلا أنا وأختي، باتي وأمي، عايشين في نظام ثقافي مختلط، مش متذكر أن الحليب والشاهي جزء أساسي من فطورنا [ولو أنه قعد هكي توا]  لكن أول ما نطلعوا من عالمنا الصغير هضا لعالم “أمي حليمة” [بيت جدي -كنّا نسمو في جدي وجدتي بباتي وأمي وكنا نحذفوا في واو العطف بين “أمي” أي جدتي و”حليمة” أي عمتي] كنا [لما نقول كنا يعني أنا وأختي] نحقوا في السائل اللي لونه قهوي على بيج واللا مش عارف كيف… الشاهي الحمَّر، متعته الوحيدة كانت هي انك تشوف الشكل الفني اللي يدير فيه الشاهي الحمر وهو يخترق في سحابة الحليب المركز الواجد.

كانت البيتة عند “أمي حليمة” معناها معش في فطورنا اللي تعودنا عليه حليب الباكو اللي ع أساس جاي من بقرة، حليب الحكيّة “الحُكة” كان هو اللي مسيطر على العالم هضا، النتيجة كانت أمي الله يرحمها [جدتي] أدير في حلها السحري “خفف حليب الحكية المركز” وتراااا..

جديات، كانت طعمته شينة مقارنة بالباكو لكن، اللي تجي أرضى بيها، الحليب والشاهي ماعمريش حبيته من هضاك الوقت لعند اليوم إلا في حال تغطس فيه بشكوط 😅، في عالمنا الصغير كان في شراب تعلمت أني نسرف في حبه وبالتالي في شربه، سعره في لونه الذهبي الفاتن، إنه الأتاي العظيم.

من ونحن صغار تعلمنا أن في حاجة اسمها شاهي خضر وشاهي حمر، تعلمنا أننا نحبوا الشاهي الخضر لكن ما نحبوش الحمر، وتعلمنا أنه في الكورة المفروض نديروا العكس: نشجعوا الفريق الحمر لكن نكرهوا الخضر، لكن على عكس الكورة اللي كان من ندعموا من الفرق محدد سلفًا، فحب الشاهي كان اختيار.

أثناء حالات التخيير بين الشاهي الخضر ولا الحمر في ليبيا الاجابة كانت ديمة للخضر، لكل الصدمة كانت أن الشاهي الخضر مش هو نفسه اللي تعودنا عليه في عالمنا الصغير مش هو الأتاي، هضا شاهي أحمر حتى هو لكن سموه خضر ليش ادوخوا فينا؟ البداية كانت من ترجمة اسم الأتاي للشاهي الخضر، هي اللي لخبطت الموضوع بكل، لكن كبرنا وتعلمنا، عمركش تطلب لا شاهي خضر ولا حمر، صبي ديره بروحك.

الأتاي، هو حاجة تنشرب ساخنة لكن لحد زي ما يحبش الساخن ينشرب دافي شوية تقدر تراجيه يدفى أو تقدر تبرد بأنك تصبه من كباية لكباية وتقعد اتعب ف روحك، في المغرب كانت خالتي تصب في الأتاي في عرم كبابي/طاسات [كاس بالمغربي] وتحطهن في زي البانيو أو المحبس أو مش عارف شن اللي مفروض يكون اسمه يكون معبي بميّة مسقعة، فتصير عملية التبريد من دون عناء في الجهد.

كاس ديال الأتاي
كاس ديال الأتاي

الأتاي ليه تقاليده، مثلا: بعد تكمل كاسك وتبي تزيد حتكون سخيف لو جيت وخذيت البراد وصبيت لعمرك زيادة طالما في حد كبير هو اللي مسؤول عن الصب واللي أصلاً عادة حيكون البراد قدامه راجيه هو/هي حتصبلك! هضا طبعًا في الحالات العائلية. في تقاليد عرم مختلفة شوية ممكن ليها علاقة حتى بالعبودية أو حاجة هكي، لكن ما علينا، نجو لأهم تقاليد الأتاي المشحر… الصبة، مش صبة الحوش لكن صبة الشاهي، أو الأتاي، لازم اللي يصب يكون رافع البراد  أعلى مسافة يقدرها من الكباية/الكاس علشان تقعد فيه رغوة، لأن “الكاس ديال الأتاي” [طاسة الشاهي] اللي مافيش رغوة معناها “ما مصاوبش مزين” أو “مامقادش” في رواية أخرى [هن الاثنين معناهن مش مديور كويس] في حاجة أخرى؟ أه نسيت في حركة لازم ما تندار تقليديًا وهي أنه اللي يصب الأتاي يصب في أول كاس وياخذ اللي صبه ويرده للبراد، ما عمريش سألت عن السبب لأني ديما حسيت أنه حاجة ما لازم تندار لكن تهيالي الفكرة منها هي التأكد من أن الأتاي “مقاد مزيان” يعني يتأكد اللي يصب من أن اللون مناسب مش أصفر معناها مازال ماطابش ومش داكن وأجد معناها قوي وبرضوا لأن في اللي يضوقوا فيها الكباية الأولى هذ علشان التأكد من الحلاوة وهك.

كيف نديروا الأتاي؟

الأتاي تبيله 4 حاجات بس يعني هو أعقد من الشاهي الحمر اللي تبيله 3 حاجات بس، في الاتاي أنت تبي نعناع وحشيش خضر [شاي أخضر]، وسكر وأمية.

  1. الأساس هو أنه يتم تنقاي النعناع كويس وغسله كويس ونقعه في الأميّة لعند ما نحتاجوله، واللي يشري النعناع لازم ما يحاول ياخذ النعناع اللي يكون طازة ولما يلقى ورقة النعناع حرشة فهضا عز الطلب ياخذه دغري وهو مغمض عيونه، ولو لقا النعناع فيه الزهر أو الورد متعه يخليه عادي مفيشي شي، لكن في التنقاي لازم ما يكون كويس في الربطة لانه لو زرقت عشبة طعمة الشاي حتخرب بكل.
  2. تاخذ براد اتعبيه اميَّة وتحطه ع النار واتراجيه يغلي، في الوقت هضا تمشي تاخذ كشيك أو كشيكين من حشيش الشاي الخضر [حسب كبر البراد] وتحطها في كوباية عادي.
  3. بعد تغلي الماية اللي في البراد، عدي صب منها شويّة في الكباية متع الحشيش، وخلي الحشيش يتنقع شويه، شوية يعني دقيقة – لدقيقتين المهم ما يزيدنش عن خمس دقائق.
  4. رد لكباية الحشيش وصفي الكباية من الماية علشان تحصل الحشيش المنقع، الطريقة الأيسر هي أنك تاخذ الكشيك وتحطه في نهاية الكباية وتبدا تبزع في الماية لعند يقعد الحشيش بس، أو خوذلك صفية لو عندك وبلا هرجة.
  5. فورًا ينحط الحشيش في براد الماية اللي ينحط ع النار من جديد وينحطله فيه مع الحشيش سكر، توا تقعد تراجي غلية وحدة ع السريع يعني ماكسيموم 5 دقايق واطفي عليه وتحط النعناع [كمية النعناع تقديرية هي كمشة وخلاص] في البراد وتسكر عليه، ودابا انت/انتي صاوبت/صاوبتي الأتاي، تبارك الله عليك!

لماذا ليس علينا أن نكره سنة 2014؟

إحتفالات طرابلس بذكرى إنتفاضة فبراير – ميديا ميدان الشهداء
كعادتنا، من سنةٍ إلى سنة نترحم على السنون السالفة ونلعن سنتنا المُرة، الحنين للماضي هو نمط حياة مجتمعنا، ليس المجتمع الليبي وحده إنما كافة -لنقل جُل- مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لماذا ليس علينا أن نكره سنة 2014 في ليبيا تحديدًا؟

بداية لطيفة

إنتخابات الهيأة التأسيسية (لجنة الستين)

VOTED
إنتخاب ممثلي سرت في الهيأة التأسيسية – صورة من تويتر @LibyaFromFrance

في مطلع عام 2014 وفي يومه الأول تُبشرنا وكالة الأنباء الليبية الحكومية بخبر إعلان المفوضية الوطنية العليا للإنتخابات بتخطي عدد المسجلين في قوائم الناخبين المليون ناخب، الرقم الهزيل نسبيًا مقارنة مع إلإنتخابات التشريعية 2012، وفي ذات الوقت إنطلقت حملة الدعاية الإنتخابية لمرشحي الهيأة التأسيسية المكلفة بإعداد وصياغة الدستور، دستورٌ يتفائل به المتفائلون -لأكن منحازًا وأقول الواهمون- ولا يرى فيه المتشائمون إلا حبرٌ سيلوث الورق لا أكثر ولا أقل في ظل أنا السلاح بيد “المجتمع الجاهل”.

“إنتخب من أجل دستورك” الجملة التي ملأت الطرقات ولاقتك أينما وليت وجهك في المدن الليبية الكبرى بالخصوص، وبنسبة 45% شارك الليبيون في “إعداد دستورهم” في إنتخابات يوم 20 فبراير/شباط، عزوف كبير في التسجيل الميسر والمشاركة بسبب “يأس” عم الشارع من إمكانية التغيير والسلبية كما وصفت آنذاك، وفي مقابل كل ذلك كانت مفوضية الإنتخابات قد أعدت إنتخاباتٍ بمستوى جيد جدًا إعلاميًا وتنظيميًا -عن نفسي في يوم الإنتخاب ذاك شعرت للمرة الأولى في ليبيا بأنني أعامل كإنسان!- وإن لم تنتخب كل المدن ممثليها بسبب مقاطعة الأمازيغ المطالبين بحقوقٍ لهم، وأحداث عنف وتطرف عصف بمدن أخرى على رأسها بالطبع مدينة درنة.

إنتخابات مجلس النواب

الليبيين بشيكاغو: إنتخاب مجلس النواب الليبي - صورة عن @libyanproud
الليبيين بشيكاغو: إنتخاب مجلس النواب الليبي – صورة عن @libyanproud
موظفي الإقتراع لإنتخابات مجلس النواب - طرابلس
موظفي الإقتراع لإنتخابات مجلس النواب – طرابلس

بعد أسابيع قليلة من إنتخابات فبراير شباط التأسيسية جرت إنتخابات تشريعية في 25 يونيو/حزيران التي أفضت بتأسيس مجلس النواب إنصياعًا لإحتجاجات شعبية واسعة باسم “لا للتمديد” في مدن ليبية مختلفة طوال أشهر ضد “المؤتمر الوطني العام” وصلت إلى حد تهديد هذا الأخير بالهجوم المسلح عليه من قبل ميليشيات لثوار سابقين محسوبة على مدينة الزنتان.

هذه الإنتخابات هي الأخرى لم تمد سنتنا “2014” بروح الأمل اللازم بعد فقدان كل ما أمكن تشربه من إنتخابات “لجنة الستين”، الإنتخابات التشريعية مرت بظروف عسيرة وصراع مسلح على أشده ما بين ميليشيات شبه نظامية ونظامية أعلنت عن “عملية الكرامة” للقضاء على جماعة “أنصار الشريعة” وحلفائها والتي لم تكن مدرجة أمميًا على قائمة الإرهاب وقتها.

مظاهرة لا للتمديد بطرابلس – عن ميديا ميدان الشهداء

فرحٌ كروي

إحتفالات في طرابلس للفوز بكأس أمم أفريقيا للمحليين – عن ميديا ميدان الشهداء
“علي الزغداني” فرحًا بفوز المنتخب الليبي

في يومٍ ماطر من أيام يناير/كانون الثاني المئِات من الليبيين إحتشدوا في ميدان الشهداء بقلب العاصمة طرابلس كانت تلك اللحظة تجسد عودة الإنسان الليبي إلى حالته الطبيعية العاشقة للحياة والترفيه، العاشقة للمستديرة التي صارت لا شيء بسبب وباء التسلح المنتشر والعنف المتصاعد، كانت تلك الصور المميزة للزغداني فرحًا بفوز منتخب بلاده وظفرها لكأس بطولة قارية للمرة الأولى في تاريخها خير تعبير عن ما يجب أن يشغل بال الليبيين، لكن هذا لم يدم طويلاً.

نهر الموت – الحرب الأهلية

طائرة ليبية تحترق على مدرج مطار طرابلس الدولي – صفحات فيسبوك

لا تأثير “للأحداث اللطيفة” في وجه العنف والموت المتصاعد، بنغازي التي فتح صنبور الإغتيالات فيها لأعوام إنفجر وصارت الإغتيالات فيه يومية بأعداد ليست بالهينة، وفي نهاية الربع الأول من العام ظهر ما عرف بعملية الكرامة للقضاء على متطرفين إسلاميين أتهموا بالوقوف وراء عمليات الإغتيال الروتينية بالمدينة، لتنطلق حربٌ لم تنتهي حتى الآن.

معارك بمنطقة الصابري في بنغازي - عن @fadelullahbujw2
معارك بمنطقة الصابري في بنغازي – عن @fadelullahbujw2

كيف لنا أن لا نكره سنة 2014 وفيها قد خطفت روح توفيق بن سعود وسامي الكوافي، وسلوى بوقعيقيص، مفتاح بوزيد، والكثير؟! هل سنكره سنة 2015 أيضًا؟! لا أحتمل غير ذلك حقًا.

رصاصة في أحشاء عمتي

من هُنا نفذت..

A post shared by Wissam Salem | وسام (@wissamly) on

بدأ الأمر برمته بجهل الإنسان وكرهه تمازج الأمران وتكون سلاحٌ مُختلف الأصناف، تكونت هذه الأخيرة بفضلِ علم لا جهل بالطبع لكنه علمٌ مدفوع بالكراهية، وكراهية موهوبة للجهل، جهلٍ أعمى بالكراهية بشكلٍ أصح، منذ ذلك -وقبل- همّ الإنسان بإفتعال الحروب وأوغل في سفك الدماء حروبٌ لا تنتهي أحيانًا عرقية وتارة دينية وتارة أخرى بيئية معيشية، المهم أن الحروب تتكاثر.

يعلم الإنسان جيدًا معاناة الحياة في ظل الحرب إما لتجربةٍ سابقة أو روايات الأسلاف عنها أو معاينتها لدى الجيران، ومع ذلك لا يتردد في خوضها يرحب بها ويفتح لها داره ويوصد الباب عليها لتختلي به ولا يتمكن الحل الأهون أيًا كان شكله من الدخول.

“أي..” تأوهت واقفةً في مكانها جامدة بلا حراك، في ذلك الوقت جِسمٌ معدني غريب إخترق جلدها بسهولة كما فعل الزجاج وقطعة القماش من الستارة، غاص داخلاً ليصل إلى قولونها ويخترقه، ثم يكتفي متعبًا بالإستقرار هناك داخل أحشائِها.

في عصر أيامٍ سابقة بينما هي ساجدة صفير رصاص ومن ثم صوت إرتطام، تلقى حائِط غرفة نومها تلك الرصاصات غير البعيدة نسبيًا عن الشباك، بينما تتلقف غرفة المعيشة المجاورة الرصاصتين الأخرتين، ليس أمامك إلا السخرية تعقيبًا عما حدث، السخرية على ما قد يبكي، هو شيءٌ أساسي لنمط حياة تحت الحرب.

قبل لحظات من همسة “أي” إرتفع صوت الرصاص؛ ليس بإمكانك أن تعرف لِما؟ فعليًا ليس من حقك أن تعرف، في الواقع من يقذف بقذيفة الموت، هو أيضًا ليس واثقًا تمامًا لِما يفعل ذلك؟ كما أظن! إنتصبت متوجسة مبتعدة عن الغرفة خشية الرصاصة لكنها ولت الدبر تأمرني ناهيةً مستجدية -إجتمع النهي والأمر بتضاد الإستجداء- أن ألحقها مبتعدًا عن تلك الغرفة غير أني تباطأت كالعادة مستهزئًا بالرصاص لما سمعناه من صواريخ!

في المستشفى تُركت على السرير وهي تقاوم الآمها، بعد أن عانت لتصل إلى مكانها ذاك فليس بالهين أن تجتاز المتاريس القاطعة للطُرق، على السيارة أن تمشي على الرصيف، وعلى المتمترسين في الطرقات أن يروا بأن في السيارة إنسان يكاد أن يموت نزفًا، عليها أن تجاهد لتمشي على أقدامها أحيانًا فلا خيار فليس بالإمكان أن تعبر السيارة، هذا صحيح، عليك أن تموت قبل أن تصل إلى المستشفى، إلا إن حالفك الحظ وقاومت، هكذا فعلت هي.

في المستشفى ترى ثمار الحرب، مقاتلين يبكون رفاقهم وأخرين متفحمين، ترى الشيء العظيم، ترى كيف تصطك أسنان فمهم ليلاً من شدة البرد ولا يخفون بسمة على وجوهٍ لا تخفي الحرب طمعها لهم.

اليوم ستتألم عمتي من جرحٍ آلم بطنها ورصاصةٍ توسدت أحشائها، وليس لي إلا أن اتألم لها، وليس بوسع الكثيرين إلا التألم حسرةً على حبيبٍ قد فارق الحياة محاربٍ أم مسالم، ولحبيبٍ أصيب متألمين لألمه، أو بيتٍ قد نُسِف ونسفت معه ذكرياتهم ويومياتهم الدافئة.

الحرب كريهة نتنة، ولكن البشر يحبونها ويتلذذون برؤيتهم لها تنهشهم وتقضمهم فتبصقهم أشلاء، وإن جاهروا بكرههم لها، فهم في داخلهم يحبونها، يتعاطفون معها، جُبِلوا عليها!

“علشان هكي انتَ راقي”

لست مؤمنًا بأن للعرق أي دور في تكوين البشر من ناحية التفكير والتصرفات، فالامر هو نتاج لاسلوب حياة تراكمي يخلق للانسان فكر معين يكمل به مشوار حياته…
في يومٍ من الأيام الحارة في شهر ابريل من إحدى الأعوام وبينما كنت في حصة “الورش الهندسية” إحدى أثقل المواد واكثره حشوًا دون فائدة، وفي إحدى المدارس الطرابلسية المزودة بأجهزة التكييف لكنها منظر فقط، وبينما تستمر مُدرسة المادة في سرد وتلاوة ما يقع أمام ناظريها في كتاب المادة، يفتح باب الفصل مقاطعًا صخب الملل والانتباه المصطنع من الطلاب الازيد من ال30 في ذلك الفصل الصغير…
– معليش يا أبلة، نبو شوية معلومات من الطلبة…
المتحدث هم مجموعة من مكتب “الخدمة الإجتماعية” في المدرسة، شرحوا لنا ما يريدون، إم الأب والأم وجنسية كليهما واخيرًا اسمك وزعت الاوراق وبدأ الطلاب في تدوين المعلومات…كلٌ حريص على ان يكتب المعلومات بسرية ويخفي ما يكتب… فيحني ظهره ويمد ذراعه بما يعيق زميله من مشاهدة ما يكتب… شارف الجميع على الإنتهاء، وبدأ دافع الفضول على مُدرستنا الفاضلة… “فالقصقصة لا دين لها”، تقترب كل مرة من طالب وتشاهد ما دّون من معلومات وتسأله اسئلة من نوع :
– امك انت اللي تقري في مدرسة الفيحاء؟
– شن يقربلك فلان ولد علان؟
– انت آل فلان اللي في منطقة كذا؟
واستمر هذا النوع من الاسئلة، إلى ان وصل دوري في هذه الجولة التفتيشية… أخذت قصاقة الورق مني بعد ان فرغت من تدوين كافة المعلومات المطلوبة، إستوقفها جنسية أمي… أمي مغربية، نظرت إلي بذهول وعينين متسعتين ’’ أمك مش ليبية، علشان هكي أنت راقي!!‘‘ بعد جملتها تلك سكتُّ عن الكلام لوهلة، وأبتسمت إبتسامة عريضة وقلت لها بضحكة “علشان هكي..”!
 ما علاقة العرق بالاخلاق أو نمط الحياة يا قوم!
غريبٌ أمركم…