في الموت، وما يليه


مؤخرًا توالى الموت لمن نحبُ كثافةً! لا أدري بحق إن كنتُ دراما كوين، أم حقيقة لكن من أحب يموتون واحدًا تلو الآخر تمامًا مثل شعري الذي لا يكف عن التساقط.

كم إن تشبيهي بخسٌ وضيع، أشبه خصلات الشعر بالبشر، لكن حياتنا وضيعة، وأثماننا تزداد بخسًا، ثانية بعد دقيقة، ودقيقة بعد ساعة، وإلى آخر هذه المتسلسلة الوضيعة.

يومها، كنت مستلقٍ على فراشي، لا أذكر ما كنت صانعٌ إلا أنه بلا وجل شيء بلا قيمة، قدر قيمة الصعقة في تلك الليلة، حينما سأل قريبي مستفسرًا إن كان صحيحًا أن صديقي قد مات؟ 

في طفولتي فقدت جدّي، أو باتي كما كان يحلوا لنا أن نسميه –أو كما علمونا- كانت تلك جمعة سوداء كئيبة وحقيرة، زادت كرهي لأيام الجمعة المتربة الحارة.. بيت جدي الذي كان مصدر سعادتي ومرحي، وعتقي من حبس المنزل؛ صار كئيبًا الكل يبكي وينوح، يومها، عاهدت نفسي أنه إن فقدت جدتي –أمي– فسألحقها ولن أسمح بأن يتكرر ما حدث مع باتي فالفراق شديد العذاب! لكنذي جبنت.. رحلت أمي ومن ثم أمي الأخرى ولم أستطع أن أصنع شيئًا صرت يتيم الجدود، وإن لفراقهم صعب! غادروا ولم أفعل إلا البكاء والنحيب.. تلك اللحظات كانت دومًا تشعرني أنها أسوأ ما حدث وأن ليس بوسعي العيش من بعدها، تزيد من رغبتي في الموت. لكنني عشت، وظللت أعيش، يومًا بعد شهر، وعامًا بعد عقد، مازلت حيًا رغم مداهمة الموت لمن أحب من أقارب، أأنا حقًا دراما كوين؟

حينها، كنت للتو عائدًا للمنزل بعد لهوٍ في أزقة طرابلس، أهم بتناول العشاء، لتنظر أختي في عيني بشفقة، لقد مات صديقك! مهلاً لقد فقدت ما يكفي من أصدقاء لا أريد أن أفقده هو أيضًا، ليس من العدل أن يغادرنا لازلت لم أفرغ من أحاديثه بعد..

مجددًا، دومًا ما ظننت أن موت أقاربي المحبين أمرًا مؤلم، ولكن أشدة ألم فراقهم أهون من فراق من نحب من أصدقاء؟ لقد اخترنا أن نكون أصدقاءً لهم، لكن الأقارب اصطفاهم النسل، مجددًا أيضًا، الموت وضيع.

حينما يموت من نحب من أصدقاء، نكون قد فقدنا أشخاصنا نعيش معهم من ذات عمرنا وأفكارنا، من ذات حياتنا، من روتينينا، ليتحولوا إلى صورٍ نرثيها على فيسبوك وتويتر، نتاجر بها، ونزايد، أهذا ما أريده إن مت؟ أن يمسي أشخاصًا قد لا أعرفهم حق المعرفة أصدقاءً لأسمي الميت؟ دومًا ما أتسائل إن كان ما نفعله يرضيهم، كيف لنا أن نعرف تذمرهم؟ صار الأمر أقرب إلى التملق والتفاخر بهم ليس أكثر، إننا بلا وجل جشعون، نحب أنفسنا، ولكن كيف للموتى أن يدافعوا عن أنفسهم، أحبوهم سرًا استذكروهم سرًا وجهرًا، ولا تتبجحوا بلقياكم لهم، وتكلفوا أنفسكم متحدثين باسمهم، ناطقين عن لسان حالهم، مستغلين لصنيعتهم في حياتهم.

لقد وعدتهم بأن لا أنساهم، شهر فسنة، كانت ذكراهم دومًا في البال؛ وثم مرت سنواتٌ أربع، وصار ذكراهم أكثر تقطعًا.. أيها الموت، ما الذي بوسعي أن أقوله لك؟

أنتم يا من رحلتم أكره فراقكم لنا، لازلت طمعًا بقضاء المزيد من الوقت معكم! فما يلي موتكم مُر.

Advertisements

One thought on “في الموت، وما يليه

ضع تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s